الجمعة، 27 فبراير 2015

ذلك الكتاب 3 (معنى الكتاب)

"وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان..الأية "..
ماذا لو تخيلنا العالم قبل القرآن..؟؟ قبل بعث الرسول عليه السلام..كيف كانت نظرة الناس للكتب المقدسة..؟؟
ما الذي كان يعنيه للناس "الكتاب" ؟؟
عندما نقرأ التوراة والإنجيل التي بين أيدينا اليوم..فإننا نستطيع أن نستشعر ما الذي كان يراه الناس في الكتاب من قبل القرآن..حتى لو قرأناه باللغة الأصلية..فالأمر ليس اللغة والتراكيب..بل في ما هية الكتاب..معنى الكتاب..لا شك..أنه عند مقارنة القرآن بالكتب المقدسة المتداولة بين أيدي النصاري واليهود اليوم..فإننا ندرك تماماً أن القرآن هو النص الوحيد الذي يمكن أن نسميه نصاً سماوياً..كلمات إلهية..النص الوحيد الذي يمكن أن نقول عليه كتاباً مقدساً..ف بالنظر إلي الروايات التي تقصها علينا الكتب المقدسة..نلاحظ أنها تميل إلى التأريخ أكثر من ميلها إلى التعليم..أو الخطاب الروحي..فالروايات تُقص في الكتاب قصاً..على أناس حدثت لهم وشاهدوها..وليست خطاباً لهم لتدعيم الإيمان أو بذر بذوره..أو إسقاطاً لما حدث على تشريع..ولنكون أكثر وضوحاً..إننا نجد قصة مثلاً مثل إحياء يسوع للموتى..نجد سردها يأتي سرداً قصصياً.."إن يسوع كان يمشي فجاءه رجل فطلب منه أن  يحيي ميتاً..ففعل..وتعجب الناس"..فالقصة لاتعدو أن تكون رواية لما حدث..هي سرد لقصة حدثت..يفترض أنها أنزلت على من شاهدوها وتناقلوها..ولا حاجة لهم بنزولها وتلاوتها كوحي من السماء..قصة شفوية تدل على قدرة يسوع وكفى
كذا نجد في التوراة..سرد لقصة موت موسى ودفنه..فكيف يفترض أن ينزل هذا الكلام على نبي –أحداث موته ودفنه -ويتلوه على أتباعه..وما هو الغرض الفعلي لنزولها وحياً يتلى إلى يوم الدين..وما هي الدروس المستفادة من قصة كتلك..إنها سرد قصصي عقيم يستحيل أن يكون الرب قاله أو موسى كتبه..
السؤال الذي يجب طرحه..هل العالم قبل القرآن كان يعرف معنى الكتاب..هل هكذا هي الكتب المقدسة المنزلة..هل هكذا تكون الكتب السماوية..يأتي رجل ليسأل يسوع أن يشفي إبنته فيشفيها والناس يتعجبون..فينزل الوحي..يقول لقد أتى رجل ليسوع وسأله أن يشفي إبنته فشفاها وتعجب الناس..؟؟ما هكذا يكون التنزيل ولا ينبغي له..
فعلى نحو مخالف تماماً..نجد القرآن عند روايته لقصة فإنه يرويها بغرض غير التأريخ.. فإنه يروي قصة للأقدمين ليخرج منها بعبرة يحدث بها الناس..ليعلم الناس كيف كفر أو أمن الذين من قبل..ليتعلموا الكتاب والإيمان..وليشهدوا على الأمم السابقة..وليعرفوا الطريق الوسط بين إفراط الأقدمين وتفريطهم..ولا يروي قصصاً حدثت وشاهدها الصحابة..إلا من قبيل أن يأتي بحدث أو حدثين في القصة بغرض الإعتبار مما حدث..كأن يوبخهم على ما حدث..أو يزيدهم إيماناً كأن يكافئهم على طيب فعلوه..أو يسن تشريعاً جديداً..وليس سرداً لما حدث توثيقاً له في الكتاب..
هكذا يكون التنزيل وهكذا تروى القصص من السماء..وليس في كتب التاريخ..
كما أنه هكذا يكون البلاغ..معجزاً عند سرد قصة..كما فعل القرآن مع أهل الكتاب..فإنهم قد إتهموا النبي بنقل القرآن من التوراة والإنجيل..ولم تكن التوراة ولا الإنجيل مترجمين للعربية أصلاً..ولم يكن رسول الله كاتباً ليقرأ نصاً عربياً فضلاً عن الأعجمي..فجاء القرآن..بمفاجأة  ليست في الحسبان..لقد أتى القرآن للنصارى بمعجزات وحكايات عن نبي الله عيسى لم تذكر في كتبهم التي بين أيديهم..والتي إتهموا الرسول بالأخذ منها..بل في الكتب التي خبأوها وإعتبرت ليست من النصرانية إخفاءاً للحق الذي بها والذي يفضح أسرارهم وتزويرهم للكتاب..وعليه فإنها لم تكن مترجمة..بل أكثر من ذلك  كان يجهل  وجودها عامة جماهيرالنصارى..ومعظم الخاصة سمعوا عنها ولم يطلعوا عليها..
فخلق المسيح عيسى من الطين كهيئة الطير والنفخ فيه بإذن الله..ليس مذكوراً في الأناجيل المتداولة بين أيدي النصارى قديماً وحديثاً..بل هو وارد في إنجيل توما"الأبوكريفي "أو مايسمي بإنجيل الطفولية..وهو يذكر معجزات عيسى في الطفولة..وهذا لم يكن مترجماً ولا متداولاً..ولا يعرفه إلا كعوب الأحبار..وخواص خواص الصفوة النصرانية واليهودية..الذين أخفوه أصلاً عن الناس..وكلامه في المهد..وهزالنخلة للسيدة مريم لتسقط رطباً..وظهورالنهر تحتها عند ولادة المسيح..وإخبار بني إسرائيل بما يطعمون أو يخفون في بيوتهم..كل هذا غير مذكور في الأناجيل التي إتهموا بها القرآن ومذكور في أناجيل الأبوكريفا..المخفية عن صفوة أحبارهم..
ثم يقول القرآن لهم.." أولم يكن لهم أيه أن يعلمه علماء بني إسرائيل" الذين هم على علم بما أبدوا وأخفوا من القصص..
إن القرآن قد غير فكرة الناس في كل مكان في وقت نزوله عن معنى الكتاب..عن معنى التنزيل من السماء..كان ثورة على ما قد فسد من فطرة الناس..فلم يعودوا يعرفوا الكتاب و لا الإيمان..لذا كان للقرآن تأثير مختلف على كل من يستمع له..فمنهم من يبكي..ومنهم من يدخل في الإسلام طواعية..وغير ذلك من عجيب التأثير..حتى كان بعض من صناديد قريش يتسلل ليلاً ليسترق السمع من رسول الله وهو يصلي عند الكعبة..حباً لسماع "الكتاب"..نعم..هذا هو حقاً "الكتاب"..الذي لم يسبق لهم أن سمعوه ولا عرفوا معنى التنزيل من السماء..ذلك الكتاب هو الذي يعلمنا معنى التنزيل..ومعنى التعليم من السماء..يعلمنا ما الكتاب والإيمان..
هكذا تكون المعجزات البلاغية..هكذا يكون الكتاب..يعلمنا  من الوحي ما تستفيد منه أرواحنا وضمائرنا..وليس العروش والخزائن وكتب التاريخ

ذلك الكتاب 2 (الأثر يدل على المسير)

نعرف اليوم ويعرف كل من له علم بالأدب واللغة والأساليب والفكر والقصص والرواية أو حتى الكتب العلمية..أن لكل كاتب أسلوب..نعرف به الكاتب..وتكاد بعض النصوص أو الكتب أو المقالات عند قراءتها يعرف كاتبها تلقائياً..وكأنك تراه بين السطور أو تسمع صوته ينطق بالجمل والتراكيب..فلكل كاتب أسلوب وتراكيب وتشبيهات وطريقة في بناء المقال يعرف بها عن غيره..حتى يكاد بعض الكتاب يعرف عنهم ألفاظ بعينها..يكثر من إستخدامها..بل قد ينفرد بها..فكل إناء ينضح بما فيه..والبعرة تدل على البعير..والأثر يدل على المسير..ونعرف أيضاً أن المتابع الجيد لكاتب بعينه إذا قرأ مقالات أو كتب هذا الكاتب في أول حياته أو مطلع شبابه  لوجد إختلافاً جسيماً وفرقاً شاسعاً بين أسلوبه..وتراكيبه..وطريقة البناء وتسلسل الأفكار..في أول حياته عن منتصفها..عن أخرها..فضلاً عن مراجعات الأفكار..وحصيلة الإطلاع الجديد..وزوال الغشاوة..وإتضاح الأفكار التي كانت مشوشة..وإنهيار قناعات..ونشوءغيرها..كل هذا تجده في الكاتب الذي تجمع أفكاره وأعماله الكاملة..في مجلد واحد..تستطيع أن تعرفه في بدايته ونهايته من مدى إتساع الفارق بين هذا وذاك..
نزل القرآن منجماً..عشرون عاماً من التنزيل..والقرآن لا دخل له بكل ما قلنا..
فمهما قرأت القرآن..من أيات الفتح  لأيات التشريع لأيات العهد المكي..لأيات الوعد والوعيد..لا تستطيع –إن لم تكن على علم مسبق –أن تحدد هل الأية نزلت في أول التنزيل أم بعد عشرين عام..إنك تجد  "إقرأ بسم ربك الذي خلق "..وتجد "وإتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"..لا تستطيع أن تحدد من كانت الأولى ومن كانت قبلها بعشرين عاماً..وعلى مدارالقرآن..لا تملك ولا يملك أي إنسان أن يضع يده على أية ويقول إنها مخالفة لسياق القرآن الكلي..أو إنها تدل على نضوج الكاتب خلال عشرين سنة..وحدة واحدة..بنفس القدر من البلاغة والبلاغ..بنفس الإعجاز المذهل..على نزوله في أوقات متفرقة منها الفرح والحزن والضيق والفرج والنصر والحرب والهزيمة والإستشهاد والجدال والإختبار..والكتاب محتفظ في النهاية بشخصية واحدة..ونفس النسق العام والنغم الكلي..بنفس النظم الأخاذ..والإبداع الممتع..فلا شك أن تكون  فيه الدلالة  القاطعة على كاتب لا يمر عليه الزمان و لا تغير تفكيره الأحداث..ولا الأفات..فهو شديد الإعجاز في دلالته على قائله..
وهنا تبرز لنا لطيفة أخرى..فإن القرآن نزوله كان مفاجئاً بشكل دائم..على غير إنتظار..من الرسول ولا من الصحابة..ولا حتى من السائل الذي ربما يكون التنزيل إجابة له..فينفي القرآن نفسه بذلك شبهة التعمد والنظم..والمراجعة..وحسابات الكاتب..ومقابلة الظروف..والتفكير والتأمل في الموقف للخروج بأفضل الحلول..ثم نظمه على وتيرة  تتفق مع شخصية الكتاب وأسلوبه..هذا التقطيع في التنزيل..وهذه الوحدة في الأسلوب من اليوم الأول للتنزيل حتى اليوم الأخير..مع تعدد الأخبار..من قصص أنبياء..لإخبار بمغيبات..لتشريع..لوعد ووعيد..هو حجة قائمة..على من سمعه..ومن نزل عليهم..دليل على من قاله..وعلى أمانة من نزل عليه..وأمانة من نقله إلينا..حرفاً حرفاً..فسبحان الذي أنزله وتعهد بحفظه فحفظه..وأتقن كل شيء عملاً

ذلك الكتاب 1(لغة الله)

ذلك الكتاب المبهر المدهش..ذلك الكتاب المحير المعجز..ذلك الكتاب المقدس الهادي للطريق..ذلك الكتاب المعلم المتحدي..ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين..أحاسيس لا تفارق القاريء المتأمل للقرآن خصوصاً في عصرنا هذا..ويقف المنكرون للإعجاز العلمي منه موقفاً مائعاً غير مفهوم..فينكرون الإعجاز في القرآن مع إعترافهم بأنه معجزة..وعندما تسألهم فما هي المعجزة إذن..يخبرونك أنها الإعجاز الأدبي البلاغي..فقط
فقط؟؟
أي هراء هذا..وأي عقل فارغ وراء هذا الكلام..؟؟هل ما تهديكم إليه عقولكم هو هذا الكلام السخيف..؟؟هل يخبرك عقلك أن بلاغة الرجل البليغ دليل على تأييده من السماء؟؟هل يخبرك عقلك أن فخامة النص الفخم..أو بلاغته أياً كان مبلغها من الأدب والبلاغة..تدل على أنها قول من عند رب العالمين..؟؟
نتفق جميعاً أن البلاغة هي من أعظم صفات القرآن..ومعجزة أعجزت الفحول اللغويين عن مضاهاتها..بل وصفت بأن لها السيادة في الأدب العربي..فنص القرآن نسيج وحده..فريد معجز غير قابل للتقليد..حتى قسمت اللغة إلى نثر وشعر وقرآن..ولكن ليست هذه النظرة السطحية هي التي جعلت من القرآن معجزة خالدة إلي يوم الدين..وليست البلاغة في السجع والكناية والتشبيه..بل الأمر أبعد من كل هذه السطحية البلهاء..
الآن نبحر سوياً في بعض من بحار الإعجاز في هذا الكتاب المذهل..
بداية فإننا نتكلم عن  لغة القرآن..فوجب علينا أن نقدم لها بقولنا عن اللغة الأصلية للقرآن..فإننا من واقع النصوص التي زخر بها القرآن وأقوال رسول الله فإننا نستطيع الجزم بأن القرآن في أصله ليس عربياً..بل القرآن ليس بلغة من لغات البشر..بل هو كلام الله..بلغة إلهية -إن صح التعبير-هي لغة الله..اللغة التي كتب الله بها كلماته في أم الكتاب..فالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى..ومزامير داوود.. كلها نصوص خاصة لقوم مخصوصين في فترة خاصة من تاريخ الزمان..ولم يتعهد الله بحفظها لأنها ليست كالنص الدائم..النص الأخير..الذي هو الذكر..المكتوب في أم الكتاب..الناسخ للنصوص المؤقتة السابقة له..والذي يحشر عليه الناس.." وَمَاأَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ".. وكلها مكتوبة في أم الكتاب بلغتها التي نزلت بها..أما القرآن فقد أنزله الله بلسان العرب..فالقرآن الذي بين أيدينا ليس فقط  كلمة الله..بل أيضاً ترجمة الله للقرآن باللغة العربية..وبإمكاننا الإستدلال على ذلك من نصوص عدة..
كقوله تعالى في سورة يوسف " الر* تلك أيات الكتاب المبين *إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون "..هنا يتكلم الله وكأنه يصف "الر" بأيات الكتاب المبين..ثم يتكلم عن الكتاب المبين واصفاً إياه بأنه أنزل عربياً..أي أن الكتاب المبين في السماء بلغته الأصلية الإلهية..ونزل على الأرض حين أنزل..عربياً
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى " كتاب فصلت أياته  قرأناً عربياً لقوم يعقلون " فصلت 3 وفي الزخرف..تكاد تُحسم القضية فيقول الله "حم*والكتب المبين *إنا جعلنه قرأناًعربياً لعلكم تعقلون*وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم *" الزخرف 1-4
هنا يتكلم الله عن (حم والكتب المبين) ثم يقول إنه جعله عربياً..أي أنه غير عربي في الأصل..بل هو أعلى وأجل من هذا..فيقول إنه عندنا في أم الكتاب لعلي وحكيم..ولكنه جعل عربياً حال التنزيل..لعل البشر يعقلوه بعدما نزل بألسنة أخرى على أقوام أخرى تم تحريفه والإلحاد في أياته..ومما يؤكد هذا..تعدد قراءاته..فإننا في ترجمتنا نحن أهل الأرض من الإنجليزية للعربية مثلاً نعرف كلمات يكون لها معان مختلفة برغم من كونها كلمة واحدة في الإنجليزية..والقرآن لغة إلهية..والكلمة في هذه اللغة تحمل معاني عدة في العربية تتقارب في المدلول أو تتباعد..فهذا مستساغ عندنا لا ننكره في علومنا نحن أهل الفناء..فنجد رسول الله يقول مثلاً..في تعدد القراءة المنزلة للأية الواحدة..لو قلت غفوراًرحيماً أو قلت:سميعاً حكيماً ، أو قلتُ:عليماً حكيماً ، أو عزيزاً حكيماً ف الله كل ذلك..فالإسم عند الله مكتوب بلغة إلهية..وعند ترجمته للغة العربية حال الوحي..فإن  اللفظ يترجم لسميع حكيم..وعزيز حكيم..وعليم حكيم بالإضافة إلى غفور رحيم..فالكلمة التي في أم الكتاب تحوي كل هذه المعاني..وقد فطن رسول الله طبعاً لهذا..فإستزاد الوحي في القراءات حتى وصل إلى سبعة أحرف..كلها كاف شاف..أي أن القراءات إستوفت المعاني كلها للكلمات الإلهية..وهذا يعني أيضاً ضرورة الإلتزام بالترجمة الإلاهية والنص الذي بين أيدينا..ويؤكد هذا الأحاديث عن إسم الله الأعظم..فإن رسول الله قد تكلم عنه دائماً متضمناً لأيات تحمل أسماءأ عدة وليس إسماً واحداً..ذلك لأن إسم الله الأعظم هو كلمة واحدة إلهية اللغة..فإنه يتضمن مجموعة من المعاني يعبر عنها في العربية بكلمات متعددة وأسماء متعددة فإسم الله الأعظم -إلاهياً-كلمة واحدة..وترجمته هي كل الأسماء التي في خواتيم الحشر"الله..لاإله إلا هو..الملك..القدوس..السلام المؤمن المهيمن..العزيز الجبارالمتكبرالخالق البارئ المصورالعزيز الحكيم "
فنفس اللفظة تحمل معنى التوحيد الموجود بسورة الصمد..والأسماء في خواتيم الحشر..وفي أية الكرسي..لذلك نرى أن القرآن الذي بين أيدينا علي حكيم..معجز مبهر..له عند ربه منزلة أعلى وأحكم مما لدينا..وهو بيننا دليل قاطع وحجة وبرهان..لم يكن في الكتب السماوية الأخرى..لذلك فقد تعهد الله بحفظه..لأنه حوى كل ما مضى قبله ورفع إصره..وأقر كثيراً من تعاليمه بغير إصر..فهو في أم الكتاب علي حكيم..وعلى الأرض قرآناً عربياً مترجماً لبني الإنسان..ومن هنا نقول أنه كان من الخطأ أن يُتعبد بالقرآن مترجماً لأي لغة..لأن خروجه عن لغته هو فقط تعبيرعن معناه العام فترجمته للإنجليزية مثلاً تحصر المعاني..في كلمة واحدة..تختلف في مدلولها من عصرلآخر بل ربما من منطقة جغرافية لأخرى..على حسب رواجها أوإهمالها في الإستخدام اللغوي..لا تؤخذ منها ولا يستفاد منها علوم أخرى روحية تستفاد من الوحي..فالترجمة واجبة ولكنها لغير التعبد..
والفرق ظاهر أيضاً بين بلاغة القرآن بمقاييس العربية..وبين بلاغة التوراة بمقاييس العبرية..وكذلك سائر الكتب لم يذكرعنها-لغةً -أمر ذو أهمية تذكر..

السبت، 3 يناير 2015

حد الردة..مواجهة الزحف الوثني

إن النظرة المتأنية لتورايخ البشر والأديان منذ ظهور الإنسان على الأرض إلى اليوم..تدل بلا أدنى خلاف على ظاهرة على قدر متساوي من الخطورة والجلاء..وهي الزحف الوثني..
لقد صدق إبليسُ على كثير من الناس ظنه..فقد إستطاع إبليس أن يوسوس لأوليائه من البشر من أتباع الأديان على مر العصور بعد موت الأنبياء أصحاب الرسالات في كل عصر..لتبدأ مع موتهم موجات الزحف الوثني..فبموت النبي صاحب الرسالة..يبدأ الشك أولاً في الرسالة..والإختلاف على النبي والكتاب الذي جاء به..ومن ثم يوجد طريقان..فقد يُقضى على الشك في مهده أو يستمر فيرتد الناس إلى الإلحاد..ومن ثم إلى أي دين أخر..أو يبدأ التشكك في بعض أحكام الشريعة التي جاء بها نبي ذلك الزمان..فيعطل الأتباع بعض الأحكام إما بدافع العقل أو بدافع تقدم الزمان عن زمان النبوة..أو بدافع من معصية النفوس وقسوة القلوب..وربما يبدأ وقتها تبديل الأحكام..ومشكلة كل عصر كانت تكمن في أن المرتد عن الدين يُترك ليبث سمومه في الناس..فما أن يرتد رجل حتى يتشجع الضعاف فيرتدوا..ومن ثم يثار اللغط في المجتمع..ثم تكون الفتنة الطامة..يتكلم المرتدون ويبثون أفكارهم الباطلة في الناس..وعقول الناس ليست واحدة..كذلك فإن قلوبهم شتى..هناك من يقتنع فيرتد وهناك من يزيغ قلبه بين هذا وذاك..فلا يرتد ولكن يعمد إلى تبديل الأحكام..ليمنع القيل والقال عن دينه ومعتقده..وهناك من يتمسك على حرف..وهناك من يتقوى بإيمانه حتى يأتيه الموت وهو على ذلك..كذلك تتناقل الأفكار والتعاليم بين الناس كما ينتقل الهواء..ومع الأيام ينتهي المطاف إلى دين يسيطر عليه الشك الذي يرمي إلى الإنكار والإلحاد..أو إلى عقيدة تسيطر عليها الوثنية ولا يبقي من تعاليم النبي المرسل إلا بقايا من سيرته..التي تجعل لوثنية المعتقد قداسة التنزيل..
المشكلة التي واجهها الإسلام عند نزوله..كانت كما لم يواجهها دين من قبل..موروث طويل من الوثنية..وأقوام لا يرون عبادة أفضل من عبادة الأوثان..وفترة من الرسل أطالت على الناس الأمد فقست قلوبهم وأصبح كثير منهم فاسقين..وأهل كتاب قد سيطرت الوثنية على كتابهم ودينهم حتى مسخته..وجعلت منه نسخة من الديانات الوثنية القديمة..بكل حماقة الوثنية وجهلها وإغراقها في الأساطير..فأصبحت الديانة السماوية السابقة مباشرة(المسيحية) تقف على مسافة متساوية مع الوثنية ضد الإسلام..وديانة سماوية أخرى..منغلقة إلى حد بعيد..يرى أتباعها أنهم أحق بالإله من الجميع..ولا يدعون أحداً إلى دينهم..فلا خارج من اليهودية ولا داخل إليها..ويكتمون علمهم عن الناس أجمعين..وعلى نصف شعب الديانة..فهي حكر على المعتنقين..قد تمكنت الوثنية منها حتى جعلوا لربهم إبناً و وصفوه بصفات الوثنية الأقدم على الأرض..
كان للكفر دولة..وللوثنية دولة..ولأهل الكتاب الغارقين في الوثنيات دولة..وكل من كان يثور على معتقد دولة منهم له من ويلات الجحيم جرعة..أو جرعات..ومذابح ومؤامرات..فكان النصارى المثلثة..الذين حرفوا دينهم لوثنية قديمة وأخذوا التثليث من ديانة مصر القديمة الوثنية..وجعلوا ميلاد المسيح في يوم عيد الشمس للسنة الشمسية..وهو عيد مصري وثني قديم..وجعلوا من نبيهم إبناً للإله وثالث ثلاثة طبقاً للوثنية المصرية القديمة..كانوا يقيمون المذابح للأريوسيين الموحدين..والنساطرة من بعدهم..الذين أنكروا ألوهية المسيح والروح القدس ووحدوا الله وأنكروا شركاءه المزعومين..وأقروا بإنسانية المسيح ونبوته فقط..وأنكروا مريم العذراء أماً لله..وعرفوا حق ربهم وقدروه حق قدره..
وكانت اليهود من قبلهم يقيمون المذابح لكل من أتى يصلح ما بدلوه من دينهم وما أدخلوه من أساطير ووثنيات على الإعتقاد..حتى قتلوا أنبياءهم وأقاموا على قبورهم ولائم وإحتفالات..
كان الإسلام وحيداً في كل هذا التيه الذي على الأرض..كان الهدف في البداية هو مخاطبة العقل..لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..حتى يصبح للعقل دولة تستطيع بها مجابهة الدول الغاشمة التي تتسلط بالقوة على العقلاء..وكان بعد أن تمكن الإسلام من مخاطبة العقول ووضع أسس العقل والعلم والفهم والفطرة..وأقام عليها دولة العقل..كان لابد له كخاتم الديانات..ولنبيه كخاتم الأنبياء..وكشريعة سيحشر عليها الناس..وكعقيدة ستواجه الإلحاد بالفطرة..والجدال بالبرهان..وسيأتي من بعدها مدعون للنبوة ثلاثون..وسيأتي بعدها من يدعي التطور وأزلية الكون..وأمم يسكنون في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولا يعتبرون..كان لابد له أن يصنع السور الذي يحمي به الحصن من الزحف الوثني الذي قضى على سابقيه من عقائد التوحيد..وهذا السور الذي بناه بناه بلبنات شداد..نطاق من الحماية بعد نطاق..وسور بعد سور بداية من حفظ الكتاب ووصولاً إلى حد الردة..وهو بيت القصيد..
نعم حد الردة هو حصن من زحف الوثنية..بغير إكراه في الدين..فكيف ذلك؟؟
هنا نبدأ في طرح أسئلة تمهيدية نتعرف من خلالها على الإجابة
أولاً: هل يقبل الإسلام التعايش مع الديانات الأخرى السماوية؟؟
الإجابة نعم ولأهل الذمة أحكامهم في الشريعة وأمانهم على أموالهم وأعراضهم ودمائهم وشعائرهم ما إلتزموا عهدهم مع المسلمين
ثانياً: هل يقبل الإسلام وجود الملل الأخرى على أرضه..؟؟
الإجابة نعم ولهم أمانهم في الإسلام ما إلتزموا المسالمة وأمنت الفتنة منهم..
ثالثاً :هل يقبل الإسلام بوجود المحاربين في دياره..؟؟
الإجابة  لا..لايقبل الإسلام بوجودهم لأنهم أصل الفتنة والخيانة..كذلك كل أمم الأرض من غير المسلمين لا يقبلون بوجود المحاربين..فليس من أمة تعادي أمة وتترك أفراداً منها يحيون في أراضيها ويختلطون بسكانها أماناً من التجسس وأماناً من إشاعة الذعر والفوضى حال الحرب..أو التخريب الداخلي وزرع الفتن حال الهدنة..كل هذا يقف فيه الإسلام وكل أمم الأرض على قدم المساواة..بل عند جل أهل الأرض إذا ثبتت الخيانة في حال الحرب على واحد من أهل الدار فإنه يقتل..وهو من نفس القوم والأهل والملة والدين..
رابعاً :هل يقبل الإسلام وجود أفراده على أرض المشركين المحاربين؟؟
الإجابة لا..ويأمر الإسلام أهله بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام..أما إذا كان موطنه أرض مشركة ولكنها دار سلام مع المسلمين فلا مانع ما أمن الفتنة في دينه.
خامساً: هل يرسل المسلمون الجنود وراء كل من خرج من الإسلام ولحق بديار المشركين ليحيا فيها ليقتلوه..
الإجابة لا..لم يفعل هذا المسلمون ولا رسول الله ولا أصحابه..فعبيد الله بن جحش هاجر مسلماً إلى الحبشة فتنصر ومات هناك ولم يرسل في طلبه رسول الله وغيره ممن فعل هذا لم يرسل رسول الله في طلبهم..
سادساً :هل يقبل الإسلام بوجود المنافقين أو المتخفين بحقيقة دينهم المخالف للإسلام على أرضه؟؟
الإجابة في السؤال نفسه..فهؤلاء من الطبيعي أن يكونوا مختفين غير ظاهرين..فهم متخفون بإعتقادهم حتى لو كان كفراً وإلحاداً أو تنصرأ أو تهوداً..ولا يظهر منهم عداء ٌ للإسلام..وهم بهذا معصومون بعصمة المسلمين في المجتمع..أما من تبدو من فمه البغضاء للإسلام والمسلمين..فهو محارب ليس من المنافقين وليس من المسلمين وليس من المسالمين..فهذا إن رجعنا إلى أي عقل منصف أو دولة منصفة فهو لا يقبله على أرضه..فإما أن يهاجر إلى ديار مشركة يفعل فيها ما يشاء..وإلا فعليه ما على الخائن والمحارب..والقول بأن المرتد عن دين الإسلام بين المسلمين ليس معادياً ولا محارباً..هو قول غير صحيح..فليس هناك من مرتد..يرتد عن دينه ولا يشع ردة على من حوله..ولا يلبث هؤلاء حتى يبدأوا في بث السموم في المجتمع من أفكارهم ومحاولاتهم الدائمة لإنتقاد التعاليم بما إستقر في أنفسهم ودفعهم للردة..فهم معادون بكل الصور للإسلام..والقول بأنهم غير معادين للإسلام يعني بالضرورة إخفائهم لإعتقادهم..فهم كالمنافقين..يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر..وهؤلاء وجودهم لا يمثل شراً على الإسلام..من هنا تكون إجابة السؤال السادس هي نعم يقبل الإسلام وجودهم على أرضه ولا يقبل ظهورهم على السطح ومجاهرتهم بالكفر..وحسابهم على الله..فقد قال النبي.."أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله..فمن قالها فقد عصم دمه وماله وحسابه على الله"..
فنحن نقبل أن نسمع منهم الكلمة يظهرونها يعصمون بها دماءهم..على ألا يبدوا منهم بعدها كلمة الكفر..وحسابهم على ما أسروا في أنفسهم على الله..أما إن بدأوا في نفث العداء السافر فشأننا كمسلمين كشأن سائر أمم الأرض..قتل المحاربين..
وحد الردة بعد دخول الإسلام ليس إكراهاً على الدين..بل هو حفظ المجتمع بقوة القانون..فمن شاء أن يكفر..فإما يستخفي بكفره داخل المجتمع خشية القانون..أو يخرج إلى مجتمع أخر لن يلحق به أحد هناك ما لم يكن معاهداً للمسلمين..فالعهد يمنعه من الخوض في الإسلام أيضاً..وله من ديار المحاربة متسع يأوي إليه ما إستطاع..أما أن يكون الأمر كما يدعو إليه العلمانيون..أن يرتد عن الدين كل مرتد ونتركه يحيا بحرية بين المسلمين فهذا القول من العقل بمكان سحيق..فإنه ما جاهر بكفره بالإسلام إلا ليتكلم فيه ويخوض في تعاليمه ناشراً سموم الفكر بين الناس..ومن حق الأمة المسلمة وولي الأمر المسلم أن يحفظ الأرض والرعية من مثله..فإنه لو لم يرد أن يتكلم وينتقد لأخفى معتقده..فهو محارب ثابت القدم على أرض المسلمين..وليس من العقل ولا من الحكمة قبوله بين صفوف المسلمين..فلمن يكون ولاء مثله حال الحرب؟؟..أيكون للمسلمين أصحاب الأرض..أم لمحاربيهم الملحدين؟؟..للقارئ أن يجيب على هذا السؤال..
والباب الذي فتحه الذين من قبلنا على أنفسهم فزحفت منه الوثنية هو هذا الباب..إختلفوا على نبيهم وكتابهم فتفرقوا وبدلوا وغيروا..ولم يكن المرتد عندهم محكوم عليه بالهجرة من الديار أو القتل..بل تركوهم يحيوا بينهم مجاهرون بنقد دينهم ودحض حججهم..فخرج من الدين مفتوناً من خرج..وشك من شك..ومن بقي فإنه بدل تعاليم دينه بما يوافق أهل الشرك كي يسلم من إنتقادهم ويريح نفسه..وإستساغ المهمة من بقي على الدين في أن يبدل الأحكام كلما ألجأته الظروف والضغوط..أو ربما ألجأته السلطة والمال..فتبدلت الديانات وأصبحت الوثنية هي المسيطرة على جل ديانات الأرض..
أتى الإسلام فحكم حكماً واحداً..حد الردة..فأغلق ذلك الباب..وعلينا أن نتخيل رجلاً مرتداً ذا بيان ولسان..خرج من الإسلام وبقي في ديار الإسلام..ينتقد ويلغو ويهزأ بالتعاليم..وينشر فيمن حوله ما أخرجه من دينه..ولو خرج نفس الرجل إلى ديار غير المسلمين..ومن لهم مع الإسلام عداء..فتكلم بنفس كلامه..أيهما أقل ضرراً على المجتمع المسلم..؟
فإن شئت فقل أن حد الردة هو حكم على المرتد بالنفي والخروج والهجرة..وإلا فالقتل..أو العودة إلى الإسلام ولو بالكلمة فقط لعصمة الدم والمال..مع الأمان من فتنته في المجتمع وحساب سريرته على الله..فإن عدتم عدنا..
مشكلة المسلمين اليوم هو ان الإسلام جاء بعد المسيحية..والتي كانت بحد ذاتها إصراً وضع على بني إسرائيل..فبنو إسرائيل كانوا مكرهين بقوة التشريع الإلهي المسيحي على التسامح..والغفران..والتعامل بصفاء مصطنع مع الأعداء..ومكرهين غير راضين عن مباركة اللاعنين..وعندما جاء الإسلام بالحكم الصحيح الموافق للفطرة والعقل والحكمة..وجد لغواً من المتدينين بالتسامح..حرباً على الإسلام وليس إقتناعاً بشريعة التسامح..و تكلموا بإعتبار أن شريعة التسامح ومباركة اللاعنين..هي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الحياة..بل هو الأساس الوحيد الذي يتفق مع العقل والفطرة والحكمة والضمير..وهذا محض هذيان..فالتسامح الجبري إصر وليس أصل للتعامل في الحياة..التسامح بالإختيار هو الذي يعطي القيمة..وليس الجبر..فليس من العقل والفطرة والحكمة أن يترك الإنسان ثأره..ولا يقتص ممن ظلمه..طاعة لله..بل ليس هذا مراد الله في الإنسان..ما كان هذا إلا إصر لتقويم النفوس ومعاقبتها فترة..حتى يأتي الدين الجديد –الإسلام-ويمحو الإصر ويرفع الأغلال..ولكن النصارى رفضوه..وإتخذوا من الإصر ديناً..فلا هم  تحملوا الإصر..ولا إرتضوا الدين الذي رفع الإصر..بل خرجوا إلى الوثنية وبئس الخروج..
الحاصل هنا أنه لاغضاضة في العقل والضمير السليم..من حد الردة..لا سيما إذا إستوفى شروطه ولعلها آخر مانختم به..
فالردة هي كفر مسلم تقرر إسلامه بالشهادتين مختاراً بعد الوقوف على الدعائم وإلتزامه أحكام الإسلام..ويكون ذلك بصريح القول أو الفعل أو الترك..ولا يجب الحد إلا بإستيفاء خمسة شروط..هي التكليف والإختيار وإرادة الكفر والعلم بالحال والحكم..فهذه الشروط تقضي على مستوفيها بالردة..وتجعله  كافر حربي لا محالة..فالمرتد لا يرتد أبداً ويكون مسالماً لأهل الديانة التي إرتد عنها..بل محارباً لها بكل طريق ومجاهداً لدعوتها بكل حال..فلا جرم أن يكون الحكم الذي يرتضيه العقل والحكمة هو كما ورد شرعاً..القتل.

السبت، 1 نوفمبر 2014

أولاد حارتنا..بدون تحيز أو تعصب


لقد قرأت رواية "أولاد حارتنا" بتأمل شديد..وربما برغبة شديدة في معرفة
 ماتحتويه الصفحات..وما قد نسج الكاتب من قصص معروفة لكل مطلع أو
 غير مطلع علي الكتب السماوية والرسالات والتعاليم الشفوية للأنبياء..والذي أراه
أن "محفوظ " لم يضف جديداً أو يعطي تفسيراً أو يجب علي الحياري من
 خلال القصة التي ربما كان الأجدر بها أن تجيب علي الأسئلة التي طرحتها

فإننا نفهم أن يكون للفن رسالة.. وللرواية غاية.. عندما تطرح سؤالاً وتجيب عليه.. بما
 يراه الكاتب أو بما يراه غيره.. أو أن ترصد أزمة ومشكلة ثم تقترح حلولاً..أما أن
 تطرح رواية أو عمل فني أسئلة من شأنها إثارة  البلبلة في العقول.. ثم تترك الإجابة
عليها بلا شيء.. فليس هذا فناً وليست الغاية من وراءه إثراء الفكر أو إشعال الحماس
أو توطيد مبدأ..

فالأسئلة التي طرحها "محفوظ "في روايته كلها إنما تعكس شيئاً واحداً وهو الحيرة
التي تدور برأسه هو شخصياً والتردد الذي يحياه وحالة الدوار والذهول التي تصيبه
من شؤون الله في خلقه..

فالقول بأن القصة لا تتناول الخلق و"الله" والرسل قول فارغ مغلوط.. لا يقوله إلا من
  لم يقرأ الرواية..فمجرد وصف الجبلاوي في أول الروايه يؤكد انه يقصد به خالق
 السماوات..وليس الدين كما يقول محفوظ نفسه..أما أدهم(ادم) وإدريس(إبليس)
فقصصهما متطابقة مع ما نعرفه من قصة بدء الخلق كذلك قدري وهمام وقنديل وجبل
ورفاعة وقاسم كلهم معروفون لا يتردد قارئ لحظة في التعرف عليهم أو التفكير
 مرتين من مجرد سرد أول قصصهم فضلاً عن النهايات..

وكان أحري بمحفوظ ان يتوقف عن هذه الترهات ..لأنه ليس لكل قارئ علم ومعرفة ..
 كما تتفاوت أقدار القراء وأنصبتهم في الإعتقاد وتكوين الأراء...وربما ينبني علي
قراءة هذه الرواية عند بعض القراء تردد وإنقلاب وبلبلة فكرية وحيرة تكافئ حيرة
المؤلف أو ربما تزيد عليها..

هناك بعض نقاط جيدة كما توجد مآخذ علي الرواية..مثل ألفاظها..ومعالم الرواية لم يتم تناولها وتغيير
 أحداثها أو إضافة شيء كثير عليها من وحي الكاتب بل إنه تناول قصة موسي عليه
 السلام(جبل)

من منظور يهودي وهذا يخفي فقط علي من لا يعرف نظرة اليهود لموسي..وقصة
رفاعة من منظور مسيحي ونهاية لا يراها هكذا إلا من كان مسيحياً أو ملحداً لا يري
نهاية مفهومة لرفاعة..أما قاسم فقد تناول القصة بإحترام يحسب له من منظور
إسلامي..كذلك نهاية القصة التي عادت بالعلم والإلحاد خاضعاً باحثاً عن إله وعن دين
 لابد له منه

بعض الألفاظ والأحداث التي وردت في القصة كانت أكثر بذاءة من أن ترد علي ألسنة
مصلحين فضلاً عن أن ترد علي ألسنة يعرفها القراء

خلاصة القول هنا أن محفوظ لا يستحق التكفير علي روايته ولكنه أيضاً لا يستحق عليها جائزة..وكان أولي بمن كفره أن يرد علي أسئلته التي جاءت علي ألسنة شخوصه..ربما إنتصح منها فهو أولي بالنصيحة منه بالتكفير

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

ليس بالعقل ولا بالعلم ..سجدت الملائكة لآدم

ربما تكون الإجابة على السؤال الأتي وماتليه من أسئلة إجابات–للبعض–صادمة
هل العقل هو سبب تشريف الإنسان علي سائر المخلوقات..؟
إن الذي رددته الألسنة وإعتادت العقول على الإتجاه إليه منذ عصور هو أن سبب تشريف الله للإنسان هو العقل..والذي كان سبباً في أمر الملائكة بالسجود للإنسان..فالعقل هو مناط التكليف والتشريف..ومن هنا كان ذريعة للقول بتقديس العقل ووضعه صنماً وهيكلاً ومعبدا..وسبباً للغرور والتكبر بالعقل..وربما وصل الإستكبار به إلي حد مناطحة الأوامر والنواهي والإعتراض عليها وردها لعدم قبول العقل لها..فهل هذا الكلام صحيح..هل العقل هو سبب أمر الملائكة بالسجود ؟؟
الذي نعرفه ولا يجادل فيه مجادل أن العقل هو مناط التكليف وبه يختار الإنسان المكلف بين الخير والشر والأضداد جميعها ولكن  لا يختلف أحد أيضاً أن جنس الجن هو الأخر مكلف مثل الإنسان..وقد أرسل رسول الله إلي الثقلين جميعاً..وهذا معناه إمتلاكهم العقل مناط التكليف فلا معني للتكليف بغير عقل يميز بين الإختيارات إما شاكراً وإما كفورا..والملائكة نعلم عنها أنها ذات عقل فهي تفهم ما تأخذه عن الله وتعبد الله وتنفذ أوامره لكنها عقول بلا شهوات..لذا فلا تكليف عليها برغم أن لها عقول..لأنها مقهورة على طريق واحد..ولم تحمل الأمانة التي حملها الإنسان..حرية الإختيار بين السبل..والتي حملها بما ركبه الله فيه من عقل وعلم وشهوة..فوجود التكليف يستلزم العقل..فلا تكليف علي الحيوان الأعجم الذي لا عقل له..لكن وجود العقل لا يستلزم التكليف ما إنتفى وجود العلم والشهوة..فخلق الله من جن وملائكة وبشر لديهم عقول..والخلق من جن وإنس مكلفون..والإنس له تشريف علي سائر الخلق..فهل إذن بالعقل الذي يستوي فيه مع الملائكة والجن يتشرف..أم بالتكليف الذي يستوي فيه هو والجن.؟؟؟
الجواب لا.. ليس التكليف ولا العقل  سبباً لتشريفه..
وإذا كان الأمر على هذا النحو..فما هو سبب تشريف الإنسان.؟؟..هل بالعلم؟؟
إن الذي يتأمل النصوص في الكتب المقدسة والقرآن وكذلك بالإستقراء والنظر والعلم والتجربة وفهم الحياة..يجد أن الملائكة أيضاً لديهم من العلم ما يسبق وجود الإنسان نفسه..وما يزيد على علم الإنسان في كل وقت..وقد قالوا "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"..والإنسان له علم علمه الله إياه لم تكن تعلمه الملائكة..والذي لا نشك فيه أن الجن علي علم أيضاً بأشياء لا علم للإنسان بها..واذا كان العلم متداولاً..لا يقتصر علي أحد..وكل جنس من المخلوقات له من العلم ما لم يأت الأخرين..والعلم يمكن إنتقاله من جنس لأخر بالتعليم والتلقين..فيجوز للتميز والتشريف بالعلم أن يتغير ويتبدل إذا تعلم الأقل تشريفاً وازداد علمه..ويصبح أكثر تشريفاً..إذا كان الأمر كذلك فلا مجال لتشريف الإنسان على سائر المخلوقات..حيث أنه من الممكن أن تتعلم الملائكة أو الشياطين علمه وتتفوق عليه..فتصبح أفضل وتستوجب سجوده لها..
الجواب لا..ليس العلم سبباً للتشريف..
فهل كان التشريف بسبب مادة الخلق كما حدثت إبليس نفسه..واستكبر علي أمر الله بالسجود بسبب منطقه العقلي..أن مادة النار أسمي من مادة الطين..إن إبليس لما قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين..كان منطقه العقلي سليماً..ولكن هل كان الأمر منطقاً عقلياً..وهل مطلوب من التكليف أن يكون متسقاً مع ماتطرحه العقول..؟بتعبير آخر..هل تشريف خلق علي خلق عند الله يكون بمادة الخلق التي خلق منها..؟؟
إن مشكلة إبليس أنه وضع نفسه محل خالقه وجادل فيما ليس له به علم..ووضع بعقله شروطاً وترك لعقله حبله علي غاربه ليستقي الأسباب ويحكم بها بغير نص يعمل العقل..فالعقل لغةً هوالربط.. بمعني كبح الجماح..فلو ترك الإنسان عقله بحريته فيما بينه وبين ربه لغوي وتكبر وتأبلس..كما حدث مع إبليس..فلا بد من نص يعمل العقل من خلاله ليعقل التفكير ويكبح جماح النفس المتعجله الغير عاقلة في ضوء العلم الذي يمنحه النص..والحاصل ان إبليس لم يسأل حتي عن سبب التشريف وإن كان هذا أيضاً غير وارد عند التكليف إلا انه أقل اشكالاً من التكبرعلي النص بالعقل..فإنه إفترض بعقله وقرر أن مادة الخلق هي مادة التشريف..وحكم بهذا وتكبر وعصي الأمر ولعن..فهل كان إبليس علي صواب أو كانت مادة التشريف هي عينها مادة الخلق..الجواب لا
فما هو الجواب إذن..
نري أن أسباب التشريف تحتاج إلى إلمام بعدة جوانب و وزنها جميعاً بميزان واحد للوصول إلى ما نعتقده سبباً للتشريف..فنقول وقولنا هو فكر نطرحه وعلى الجميع أن يفكر ويرى بنفسه لماذا شرفه الله كإنسان على سائر المخلوقات..وهل إنسجمت حياته وإختياراته في الدنيا مع هذا التشريف وأسبابه ومظاهره..أم أنه وضع نفسه موضعاً بين سائرالكائنات الدنيا بإختياراته الخاطئة بين طريق وطريق..ونبدأ فنقول..أولاً: إن الإنسان في القرآن هو خلق خلقه الله بيديه بشكل مباشر..أي باشره بيديه جل وعلا في التسوية والتشكيل..ولم يأمر بها ملك..وجعل مثل هذه الخاصية سبباً في معرض التشريف..فقال تعالى لإبليس "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"..فلو  كان كل الخلق مخلوقين بيد الله مباشرة لم يكن للتخصيص في الأية موضع..
ثانياً:نحن نعلم من الحوار الذي دار بين الملائكة ورب العزة أن أدم لم يكن أول خلق في الأرض..بل كان هناك غيره من قبل وكان يسفك الدم ويفسد في الأرض..كما لم يستخدموا اللغة كوسيلة للتواصل..وأدم كان أول من تعلم الأسماء..أي أول من نطق باللسان وتعلم اللغة والحروف..وسط دهشة من الملائكة..فكان الإنسان أول خلق عاقل مكلف علمه الله الأسماء التي لم يعلمها الملائكة..ونحن نستطيع أن نجزم من علوم اللغويات أن إختراع الإنسان للغة ما..تعني أنه إستطاع أن يطلق علي كل شيء إسماً..أي أن تعليم أدم الأسماء كان بمنحه اللغة..وهو ما أبهر الملائكة..وهو ما إختصه الله به دون من سبقه من الخلق
ثالثاً:عندما قضى الله أمره وأخبر به الملائكة قال لهم خبراً..أثار أذهانهم وعقولهم..فقال "إني جاعل في الأرض خليفة "..وليس في هذه الجملة شيئاً غريباً أو مثيراً للتفكير سوى كلمة واحدة .." خليفة "..ومعنى "خليفة " يتنوع حيث أنها تفهم أنه خلق يخلف بعضه بعضاً..أي سلالة وتناسل يموت الأباء ويخلفهم الأبناء..ومنها أيضاً أنه يخلف الله في تطبيق شريعته وأمره في الأرض..وهذا المعنى أجده بعيداً..لأنه لم يكن ثمة شريعة في الأرض وقتها ليخلق الله خلقاً مخصوصاً ليطبقها..فالحاصل هنا أن الخلافة المقصودة..هي مناط التشريف..لماذا؟..لأن هذا الخليفة وبنيه أرواح تسكن الأجساد..تنال من الدنيا علماً..وتربية للأرواح والنفوس من كفاح الحوادث..وألام الحياة..وتعلم بعضها بعضاً..ثم تموت تاركة أجسادها..ويخلف بعضها بعضاً..يعيشون في الأرض يتعلموا مالم يكونوا يعلمون..ويحصلون على علم..يورثهم الإيمان..ولا يأتون إلى الكون معلمين لا مجال لإكتساب علم جديد..بل يكافحوا ليصلوا بالعلم الذي لم يكونوا يعلموه إلى الغيب..ويثبتوا بالعلم وجود الله والملائكة والبعث والمعاد..أو بكلمات أخرى..نقول إن كون الإنسان كائناً مادياً لم يشهد العالم الغيبي..فقد أصبح المخلوق الوحيد الذي يبحث بالعلم عن الغيب..ويثبته ويثبت العبودية لله بمعرفة قدرته وحكمته والإستدلال على ألوهيته وربوبيته ووحدانيته..
رابعاً:نفخ الروح..فقد قال الله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "فالتسوية إتفقنا أنها كانت بيد الله مباشرة..أما سر الحياة فيه أن الحياة كانت نفخ الروح من روح الله..فهي ميزة ميز الله بها آدم وبنيه على سائر المخلوقات
خامساً:أنه بخلق الإنسان قد تمايز الخير والشر والأمر والنهي..وظهر العلم..وظهر ما كان خلق الله كلهم يجهلونه..كمعرفة من فيه الشر من الخلق..كإبليس وأعوانه وتابعيه..حيث لم يكونوا معلومين للملائكة والخلائق..ومعرفة صفات الشر كالإستعلاء والكبر والمعصية وكذلك معرفة من فيه خير وعلم ومعرفة وطاعة وتوبة وإنابة و مجاهدة..فخلق الإنسان قد أظهر ما خفي من طبائع خبيثة للخلق..فعرف الخلق الخير والشر والطاعة والمعصية..وبهذا ظهرت طبائع النفوس التي تستوجب الجنة والتي تستوجب النار..بل عرفت الحكمة من الجنة والنار..وتجلت صفات الله لخلقه كالرحمة والغضب والعفو والعلم والقدرة وغيرها من الصفات..
مما مضى نرى أن الإنسان قد شرفه الله على سائر المخلوقات وأسجد له أشرف المخلوقات قبله..وجعل له مقام الزعامة بينهم..ونحن هنا لا نبالغ..فعندما ننظر إلى الإمتيازات التي شرف الله بها أدم وبنيه نجده قد بلغ هذه المنزلة..فمن مظاهر هذا التشريف..إختياره للرسالات دون غيره..وإختصاصه بالشهادة والولاية..وجعل معاد بعث أبدان أدم وبنيه..معاداً للسموات والأرض..وإختصاصه بالإيمان بالغيب..لأنه الإيمان النافع..ومدار الإيمان تصديق الخبر وطاعة الأمر..تصديق الخبر بغير شبهة تقدح في التصديق..وإمتثال الأمر بغير شهوة تمنع الإمتثال..وهذا يستوجب الرحمة قبل حلول الغضب..فإبليس قد عاين عالم الغيب وأصبح له عالم الغيب وعالم الشهادة مستويين..وتلقى الأمر من الله مباشرة..لذا فإنه لا فكاك له من النار بمعصيته..أما الذين يؤمنون بالغيب فإن لهم من العذر عند ربهم ما ليس لمؤمني الشهادة..الحاصل من كل ما قلناه أن الإنسان لابد له من وضع تشريفه بين المخلوقات نصب عينيه في كل عمل وإختيار وخطوة يخطوها في حياته..وليعلم أن حياته ثمينة فلا يضيعها هباءاً..فهو لم يمنحها هباءاً ولا لهواً أو لعباً..لذا وجب عليه البحث والعمل والعلم..ليقوي دعائم إيمانه ويوطد عقيدته..لأنه إنما لأجل هذا خلق وأعطي الشرف دون غيره..وكان تكريمه سابقاً على عمله..فلا يضيع هذا التكريم في أثناء سيره إلى ربه..فما عمره إلا رحلة العودة إلى الله بعد أن نال التكريم ثم أهبط الأرض ليحمل الأمانة ويشهد على نفسه..ويعود إلى ربه وهو يعلم ما إستحق من جزاء وعقاب..

 

السبت، 25 أكتوبر 2014

القرآن 4 (خلق الجنين ..شيء من الإعجاز)


من أهم الآيات في كتاب الله هي آية خلق الأجنة ..وقد إتخذت أهميتها -مع وصفها المعجز لأطوار الخلق في أدق حالاته -من هجوم المنكرين للإعجاز عليها ومحاولة تكذيبها بكل طريق..أو الوصول بها لمرحلة الحياد على أقل تقدير..

وقد ثار اللغط كثيراً حولها..فنسأل الله أن يكون كلامنا عليها كلاماً فصلاً ..نقطع به ألسنة المنكرين ..وقد آن لها أن تنقطع..

فكم الإعجاز الذي تذخر به هذه الأية مذهل بشكل حقيقي..

كما أن الله قد ذكرها في موطن البرهان على البعث..ومخاطبة منكري البعث بعين ما يفهمونه ويروه ويتمسكون به وهو العلم والمادة..وذكر الآية كبرهان على البعث يدل بشكل واضح الدلالة على أنها شديدة الدقة في الألفاظ..وليست ألفاظها مطاطة  كما يقول المنكرون..

الآية تقول  "ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحماً ثم أنشأنه خلقاً أخر فتبارك الله أحسن الخالقين"

بدايةً.. الآية تتكلم عن أول مراحل تكون الجنين بعد التخصيب مباشرة ..وما تليها من مراحل متلاحقة قبل أن يتكون شكل للجنين يمكن رؤيته بالعين المجردة..فالنطفة..نقطة  دم..والعلقة أكبر قليلاً..والمضغة أكبر بشيء بسيط..وكلها مراحل لم تكتشف إلا بعد إختراع الميكروسكوب بل بعد تطويره في الخمسين عام الماضية..أما في عصر التنزيل وما تلاه من عصور حتى منتصف القرن العشرين ..كل هذا كان مجهولاً تماماً بالنسبة للعلوم الحديثة..ولم تكن ترى في السقط من الأجنة قديماً في المراحل الأولى..إلا دماءلا تميز ولا تستخرج منها لا نطفة ولا علقة ولا مضغة ولا غير ذلك..
ثم الترتيب والتعاقب الزمني في الآية ..هو الآخر درب من الإعجاز العلمي..

ف "ثم"في بداية الكلام تتكلم عن النطفة وهي ما إجتمع من ماء الرجل والمرأة وأصبح متحداً..تأخذ لها فترة في قرارها..ماأسماه الله "في قرار مكين"

و"ثم" تفيد التراخي..أي أنها تأخذوقتاً قبل التحول إلى الطور التالي..وهذا حادث فعلاً وطبعاً إكتشافه كان مؤخراً..

وعندما ذكرت الآية الأطوار فإنها عطفتها على بعضها ب"ف" والتي تفيد السرعة والتلاحق بين الأطوار..وكل هذا ثابت علمياً..فمراحل التطور الجنيني بعد تخطي مرحلة النطفة "نقطة الدم "هي مراحل سريعة متلاحقة لدرجة يصعب معها الرصد ..والمقارنة للزمن الذي تتطور فيه خليط النطفة ليكون علقة ..نسبياً مع المدد الزمنية للتحولات التالية..يؤكد دقة إستخدام الألفاظ "ثم" و "ف" كل في مكانه ..وهذا أمر معجز..

ثم الوصف ..فكلمة علقة تطلق على دودة تستخدم للعلاج وكل مانستطيعه لوصف هذه الدودة  هو الإستطالة والتعلق بجدار ..وهو كل ما نستطيع أن نصف به هذا الطور الجنيني فعلاً..فهوطور إستطال في الشكل عن مرحلة النطفة ..ومعلق بجدار الرحم بشكل ملحوظ وكأنه غرس فيه من الأعلى..ثم يتغير الشكل سريعاً..إلي مرحلة ليست مستطيلة الشكل بل كتلة صغيرة تشبه قطعة اللحم الممضوغ..أي لا شكل لها.. كتلة لحمية صغيرة وكفى..ويصفها الله مضغة..

ثم نأتي إلى بيت القصيد

فعندما تكلم الله عن خلق المضغة عظاماً ثم كسوتها باللحم..لم يتعرض لترتيت في الخلق..فقط ذكر أنه خلق المضغة عظاماً..أما كلمة كسونا فهي لا تعني بالضرورة أن اللحم خلق بعده أو قبله..إنه فقط يقرر أن اللحم لا يكسو العظام إلا بعد أن تكون العظام قد خلقت..وبرغم من أن هذا صحيح – العظام سبقت اللحم في التكون –إلا أن المعجز هو أن العظام تشكلت ..ثم أتتها الكسوة ..أي أنها لم تكن مكسوة..أي أن اللحم جاءها من مكان فكساها ..وليس نمواً معها..وهو ما ثبت فعلاً..أن الخلايا المكونة للعضلات ..تهاجر من مكان أخر إلى العظام لتكسوه ولم يكن الأمر آلية خلقية ..

فكلمة كسا في لغة تأتي بمعني..يغطي ..يعطي..يلبس..أي أن شيئا خارجياً عن الشئ أتاه فغطاه أو كساه

فقوله فكسونا ..لا يتعرض أصلاً لخلق اللحم ولا ميعاد أو ترتيب ظهوره..بل هو تقرير أن العظام خلقت ..وكسيت لحماً..

فمن إعجاز الآية أنك تجد فيها كل هذا..فالعظام خلقت قبل أن ينشأ عليها اللحم..وهذا أمر طبيعي منطقي..فعضلة الفخذ لم تقف في الفراغ ثم أتت عظمة الفخذ وإستقرت تحتها ..هذا كلام من لا يعقل..

وعظام الجمجمة تتكون ولا تنتظر لحماً ليكسوها..فالعظام هي الأصل ولها الأولوية في التكون ..ثم تكسو العضلات بعض العظام وليس كلها..فليس خلق كل العظام مرتبط بخلق العضلات

وأخيراً وليس آخراً ..فإننا لو إطلعنا على مرجع من أهم مراجع الأجنة في العصر الحديث..

“the developing human”

فإننا نجد في الجزء الذي يتكلم عن تاريخ علم الأجنة في العصور الوسطى..يذكر أن "تطور هذا العلم في هذا العصر كان ضعيفاً وفقيراً وبطيئاً جداً..وعلى الرغم من هذا فإننا نجد بعض أهم النقاط العالية عرفت في ذلك الوقت وهي مقررة لدينا وقد ذكرت في القرآن كتاب المسلمين المقدس"
ومن كل ما تقدم أستطيع أن أقطع بأن آية خلق الأجنة التي يهاجمها المنكرون للإعجاز..هي من أعظم آيات الإعجاز العلمي..في القرآن