السبت، 2 مايو 2015

الحجاب..فصل الخطاب في زمان الفتن 3

ربما يكون هذا المقال هو الأخير في مسألة الحجاب..وسنتعرض فيه إلي أكبر شبهة تعرض علي العقول في هذا الزمان..
وردت بعض الآثار عن عمر إبن الخطاب كان مفادها أن الجارية يباح لها كشف شعرها وعليه فإن الشعر ليس من العورة وليس زينة..وأن الحجاب كان مرتبطاً بوجود الإماء لتفرقتهم عن الحرائر أما الآن فليس لهم وجود..فزالت العلة من وجود الحجاب..كذلك القول بأن عورة الإماء من السرة للركبة يدل علي أن النساء كن مكشوفات أيام الرسول ولا داعي للحجاب..إنما كان للحرائر فقط..كذلك عن إبن عمر أنه كان يضع يده على الإماء في السوق في مواضع ويكشف منها مواضع تدل على عدم حرمة جسد المرأة..كذلك وردت بعض أسباب النزول تدل على أن الحجاب فرض على الحرائر فقط وليس الإماء..
وكل هذا مما يشتبه علي العقول ويضللها بسبب إستخدام منكري الحجاب لمثل هذه الآثار بشكل غير منضبط ..ونبدأ من آيات الحجاب في القرآن التي خوطب فيها النساء غير زوجات الرسول :"وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"
2- "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"
3- يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"
وهذا أثر صحيح عن عائشة رضي الله عنها :أن النبي دخل عليها فإختبأت أَمَة لهم فسأل الرسول هل حاضت؟ فقالوا نعم..فشق لها عمامته..فقال إختمري"..

من تأمل الآيات السابقة يجد أن الألفاظ الواردة في الآيات ألفاظ عامة..تشمل جميع النساء بغير تخصيص لجارية وحرة..وغير وارد من دلالة الألفاظ تخصيص الحرائر ونزع الإماء من "نساء المؤمنين"..وإذا ضممنا لها الأثر السابق عن النبي..نجد أن رسول الله قد أمر الجارية أن تختمر..بل شق لها عمامته..وهذا الفعل من رسول الله له دلالة كبيرة..لأنه قد نهي عن إفساد المال..ففعله من إفساد عمامته لمصلحة الجارية ومن أجل طاعتها لربها يدل علي وجوب الحجاب عليها..بل وترجيح وجوب إختمارها علي وجوب حفظ المال..والنبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم..فأعطي لها من ماله لتختمر..فقد ثبت في حقها إذن أنها من "نساء المؤمنين"..وثبت في حقها وجوب التستر والإختمار..وليس بعد هذه الآيات الجلية..وفعل رسول الله..دليل آخر يصلح أن يستند إليه المنكرون علي جواز كشف الجارية رأسها..فدلالة الألفاظ والحديث يدلان بشكل قطعي علي أن الأمة كالحرة في فرض الحجاب..لهذا فقد قال إبن حزم الأندلسي :"وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد والخلقة والطبيعة واحدة فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده..فالرق وصف عارض خارج عن حقيقة الأمة وماهيتها ولا دليل علي التفريق بينها وبين الحرة..وقال إبن تيمية :العلة في النظر خوف الفتنة ولا فرق في هذا بين النساء الحرائر والنساء الإماء..
هذا ما أردنا تقريره في البداية قبل مناقشة أوهام المنكرين..فقد ورد في طبقات إبن سعد سبب نزول آية الحجاب "ذلك أدني ان يعرفن فلا يؤذين"..أن رجلاً من المنافقين كان يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له ؟؟ يقول كنت أحسبها أمة..فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن"..وهذا حديث لا يصح..بل هو ضعيف جداً..فهو حديث مرسل..قائله لم يدرك عصر النبوة أصلاً..كما أن بسنده ابن أبي سبرة وهو متهم بالوضع في الأحاديث فهوكذاب أشر..ثم في سنده الواقدي وهو ضعيف جداً ومتهم بالوضع أيضاً..وقد إغتر كثير من المفسرين بهذه الأحاديث الضعاف فقيد تفسير لفظ "نساء المؤمنين" بالحرائر دون الإماء..وبنوا عليه أنه لا يجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر..وبالغ بعضهم وقال أن عورة الأمة كعورة الرجل..وهو أمر فاسد لا محالة..فالفتنة بالإماء في الأساس أكبر وأكثر من الحرائر..لهذا قال إبن حزم الأندلسي :وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى : "يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء  فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضون لهن..ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد..الذي هو إما زلة عالم..أو وهلة فاضل عاقل..أو افتراء كاذب فاسق..لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين..وهذه مصيبة الأبد..وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة..وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق..وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق..ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله إلا بأن يسنده إليه..إنتهي
وقد وردت أحاديث لرسول الله مما أسيئ إستخدامه أيضاً كالآتي:
1-إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ- عَبْدَهُ، أَوْ أَجِيرَهُ -فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ، وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ
2-إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى عَوْرَتِهَا
3-وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا تَنْظُرُ الْأَمَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى رُكْبَتِهِ مِنَ الْعَوْرَةِ..
وقد إستدلوا بهذه الروايات علي أن عورة الأمة من السرة إلي الركبة..وهوكلام مردود تماماً..فالرواية الثانية وهي التي ذكرت فيها الأمة هي رواية لا تصح ولا تثبت فلا يصح الإستدلال بها..وبفرض صحتها فهي لا تذكر أن العورة من السرة للركبة..بل فيها نهي لسيدها أن ينظر إلي عورتها مرة أخري بعد زواجها كما كان يفعل قبل زواجها..والرواية الأولي تنهي عن نظر العبد إلي عورة سيده ونظر السيد إلي عورة عبده وهي من السرة للركبة وليس في الأمر ذكر للأمة وليس هناك أي دليل لجمع الرواية الأولي بالثانية خاصة أن الثانية لا تثبت..أما الثالثة فهي حاسمة في الموضوع لأنها تنهي الأمة بعد أن تزوجت عن النظر إلي عورة سيدها كما كان مباحاً لها عندما كانت ملك يمينه..وقد أسقط بعض العلماء الروايات الثلاثة علي بعضها ليخرجوا بإستنتاج أن عورة الأمة من السرة للركبة وهو قول غير صحيح كما بيناه..فليس في الأمر إجماع كما إدعي بعض العلماء..بل الأمر فيه خلاف كبير..وعلي التحقيق وبجمع ما صح من الأدلة نجد أن الأمة عورتها أمام الأجانب عنها كعورة الحرة..وقد تكلم في الأمر غير إبن حزم وإبن تيمية كثيرون مثل البيهقي والتوحيدي وغيرهم..

بقي لنا الشبهة الأخيرة وهي ما ورد عن "عمر إبن الخطاب" و "عبد الله إبن عمر" من آثار تشير إلي أن الأمة عورتها مخففة عن عورة الحرة..مما يدل علي أن الحجاب بزعم المنكرين كان رمزاً سياسياً إقتضته الحاجة والزمن لفصل الحرائر و تمييزهن عن الإماء..وهي كالأتي
1-ما روي عن أن "عمر" كان يطوف فى المدينة فإذا رأى أمة محجبة ضربها بدرته حتى يسقط الحجاب عن رأسها ويقول :فيم الإماء يتشبهن بالحرائر
قال أنس "مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يالكاع أتتشبهين بالحرائر ألقى القناع"
وروى أبو حفص أن "عمر كان لايدع أمة تقنع فى خلافته"
 و روي أن "عمر" ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة وقال إكشفى رأسك ولاتتشبهى بالحرائر..
2- يروى عن أنس بن مالك "إماء عمر كن يخدمننا كاشفات عن شعورههن تضرب ثديهن"
3- ماورد عن إبن عمر أنه كان يضع يده بين ثديي الأمة في السوق وينظر إلى بطنها وينظر إلى ساقيها أو يأمر به قبل شرائها..
و مر "إبن عمر" على قوم يبتاعون جارية فلما رأوه وهم يقلبونها أمسكوا عن ذلك فجاءهم "بن عمر" فكشف عن ساقها ثم دفع في صدرها وقال اشتروا..قال معمر وأخبرني بن أبي نجيح عن مجاهد قال وضع "إبن عمر" يده بين ثدييها -وفي رواية صكها في صدرها- ثم هزها..يريهم أن ذلك مباح..
إن الناظر المتأمل للآثار الواردة عن النبي وعن الصحابة ثم الآثار التي وردت عن "عمر إبن الخطاب" يكتشف أن الآثار تقول "كان عمر في خلافته" أو  تقول "كان عمر يجوب المدينة " أو تقول "مرة ضرب عمر جارية لآل أنس" أو تقول "كانت جواري عمر"..فالأمر كله في الحقيقة محصور بل و مقتصر على "عمر إبن الخطاب"..وليس مشتهراً عند الصحابة ولا من فعل الرسول..ولو كان الأمر مشتهراً في الصحابة من أيام الرسول لما كان لنقله عن "عمر" أي معني..ولما نقل عن "عمر" أصلاً..وما الداعي لتخصيص "عمر" بالنقل إذا كان الأمر حادث في كل بيت ومع كل خليفة..كذلك ما ورد عن "إبن عمر" من لمس الإماء وكشفهن في الأسواق للبيع والشراء..لم ينقل إلا عن "إبن عمر" فقط..بل الذي نقل الأثر قال أنهم عندما رأوه كفوا أيديهم..مما يعني عدم إشتهار الأمر وشيوعه بين أهل السوق مع الجواري..بل يدل على أن المشهور الشائع بين الناس هو المنع من ذلك..إذن فمدار الآثار كلها ومحورها هو "عمر..وإبنه"..من هنا فإننا نقول أن القرآن والسنة القولية والفعلية المنقولة عن النبي "محمد" هما طبعاً الأصل في الموضوع..وهما المنبع الذي ننقل منه ونأخذ عنه..والكتاب والسنة مخالفان تماماً لفعل "عمر" وإبنه..لا سيما وإن الآثار تدل علي إجماع الصحابة وإشتهار الأمر بينهم بما يخالف فعل "عمر وإبنه عبد الله"..فلا إشكال إذن..ولا توجد حجة لمنكري الحجاب وتغطية الرأس فيما نقل عن عمر ولا إبنه في إنكار تغطية الرأس للإماء..لأن الأمر كما إتضح الآن لا يعدو كونه إجتهاد من "عمر" إن أصاب فيه فله أجران وإن أخطأ –وهذا ما نظنه-فله أجر..هذا ما يجب أن نقرره أولاً..ثم بعد ذلك نناقش أسباب ما فعله "عمر إبن الخطاب "رضي الله عنه..
لأن "عمر" من أفقه الصحابة وأكثرهم إجتهاداً..وعلي مدار مدة النبوة وإسلامه..كان دائم الإجتهاد..صاحب نظرة متأملة متفقهة..يخرج بأحكام يصيب في بعضها ويخطئ في بعض..فهو غير معصوم..وقد كان إجتهد من قبل في مسألة الحجاب الخاص بأمهات المؤمنين..وطلب ذلك من النبي بغير وحي..وكان يري أنه يجب أن تختص أمهات المؤمنين بالحجاب الكامل عن البر والفاجر سواء بسواء..وقد وافق الوحي رأيه..وقد كان يري أن بزوال علة قصر الصلاة -المذكور في القرآن-وهي الخوف..يجب أن يُنسخ الحكم بقصر الصلاة..لأن زوال الحكم يكون بزوال العلة..فلم يوافق الوحي رأيه وقال النبي له تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فلا تردوا صدقة الله..فليس دائماً يزول الحكم بزوال علته..وكان "عمر" يري تأديب الرجل الذي يطلق زوجته بلفظ "أنتي طالق ثلاثا" بأن يمضي الطلاق كأنه طلقها ثلاث مرات..أي أنها تحتاج لمحلل لكي تعود له..برغم أنه طلقها مرة واحدة بلفظ الثلاث..تأديباً للناس علي التساهل في الطلاق..وقد ظل العمل بهذا الحكم ل"عمر" وكان الإجماع عليه إستناداً لقول "عمر"..حتي عصر الفتوي الحموية ل"إبن تيمية" والتي خالف فيها "عمر" وقال إن الدليل من الكتاب والسنة علي عكس هذا..وهكذا نري أن "عمر" كان له من الأراء والإجتهادات ما يراها وحده بإجتهاده..مراعاة لوقته وزمنه..وكان هو ولي الأمر ومسؤول عن رعيته..فكان يجتهد برأيه..جزاه الله عن رعيته خير جزاء..ومن تمام العلم بفقه "عمر" في مسألة الحجاب للأمة والحرة يجب الإلمام بشئ من المواقف في حياته وخلفية مجتمع الجواري في ذلك الزمان..و بإختصار شديد..نبدأ من موقف حدث مع "عمر بن الخطاب" عندما أراد يوماً أن يذهب لبيته لحاجة له..فلما هم أن يدخل وجد إمرأة عليها جلباب متقنعة به..فرجع..ولما عاد وسأل أهل بيته من تلك المرأة التي عنتنا اليوم -أي التي منعتنا من الدخول-فقالوا له ما كان عليك منها..إنها أَمَة لفلان..فلما رجع قال "أيها الناس لا تشبه الأمة بسيدتها"..
فهذه أَمَة في عهد "عمر" كالإماء اللاتي يروي عنه ضربهن..كانت متقنعة بالجلباب..محتجبة تماماً فلم يعرفها "عمر" وهذا دليل علي شيوع الأمر في عهده باحتجاب الإماء..ولم تهرب الأمة منه عندما رأته..ولا خلعت قناعها..ولكنه إمتنع عن الدخول إلي بيته حرصاً منه وأدباً في أن يدخل البيت وبه إمرأة أجنبية عنه وهذا من تمام حرصه -رضي الله عنه- بل من جملة أخلاق الصحابة رضوان الله عليهم..أما لو عرف أنها أمة فالأمر يختلف..فكما قالت له إمرأته "لا عليك منها إنها أمة لفلان"..وليس هذا طبعاً تحقيراً من شأنها..ولكنها هذه هي طبيعة التعامل مع الإماء في تلك العصور..فالأمة والعبد هما من متاع البيت..وهم ملك شخصي للناس فهم من الأموال المملوكة..لأنهم كانوا يتخذوا من أجل المهنة والعمل والبروز والإحتكاك بالناس وأداء الواجب وخدمة المنزل والدابة والسوق..فالدخول والخروج منهم وعليهم لم يكن أمراً محظوراً..ما إلتزمن الحجاب كما فعل النبي مع الأمة عند عائشة رضي الله عنها..
ومن تمام المعرفة أيضاً نذكر موقف ل"هند بنت عتبة" عندما بايع النبي نساء مكة علي أن لا يزنين..فقالت له هند بإستنكار شديد.."أوتزني الحرة؟؟"..من هنا نعرف أن الفرق بين الأحرار والإماء في العمل والتصرف والأخلاق في ذلك الزمان كان كبيراً..فكان الزنا مما لا يتصور أن تفعله الحرائر..وكانت الإماء هن مظنة الفواحش وليس الحرائر..فالنظرة للإماء في كل أنحاء العالم كانت تختلف عن الحرائر..وكان عيباً في المرأة الحرة أن تتصرف تصرفاً ينسب للإماء..أو ترتدي زياً يشبه الإماء..أو ترفع صوتها بين الناس كالإماء..أو تبرز وتختلط بالرجال في الأسواق كالإماء..كما كان يشينها أن تسبي في الحرب وتصير أمة..تبرز وتستخدم في مهنة البيوت..
كما أن في عهد "عمر" تحديداً قد كثرت الفتوحات للروم والفرس وكثرت الجواري والعبيد..فكان لؤلؤة المجوسي-قاتل "عمر"-عبداً فارسياً ولم يكن مسلماً..وكانت اليهود والنصاري والمجوس بكثرة..منهم العبيد والجواري..وكان"عمر"يكره كثرتهم في المدينة..وعندما طعنه "لؤلؤة" متخفياً في الصلاة بين المسلمين..قال"عمر" ل "إبن عباس"وهو ينزف تأنيباً له "قد كنت أنت وأبوك تحبون كثرة العلوج بالمدينة"..فكان "عمر" حاداً جداً في مسألة الإختلاط والتزوير والتداخل بين المسلمين وغيرهم..حرصاً علي مجتمع المسلمين في بداية إختلاطهم بالأجناس الأخري والديانات الأخري وهم حديثو عهد بجاهلية..فكان إجتهاده -رضي الله عنه- عندما تولي الخلافة وتوسعت الدولة وفتحت الفتوحات..هي إستخدام بعض الوسائل كالملبس للفصل بين الحرة والأمة..ولم نسمع أن "عمر" فعل هذا في عهد النبي ولا في عهد "أبي بكر"..رغم قوة "عمر" وجرأته في إتخاذ المواقف في عهد النبي و أبي بكر..إلا أن إجتهاده هذا كان لاحقاً في عهده فقط.. فاستحدثه ولم يكن الأمر معهوداً..كما أنه لم يستمر بعده..فلم يحدث هذا في عهد "عثمان" ولا ما تلاه من عهود..بل إن الأمر في عهد "عمر" نفسه –كما تدل الآثار-لم يكن كثير الحدوث..فإن "عمر" يروي عنه ضرب الإماء علي التشبه بالحرائر..ولكن هذا لم يمنع الجواري من الحجاب..ولو كان هذا المنع في عهده منتشراً..لما إحتاج إلي ضرب جارية كلما قابلها..أو كان يفترض بهن أن يخلعن حجابهن كلما رأينه..ولكن الحق أنه كان يأمرهم بهذا أمراً بغير عزيمة..فلم يكن يضرب "عمر" أحداً بدرته إلا وكزاً خفيفاً..وليس كما يتبادر إلي أذهان الناس أنه كان يبرحهم ضرباً..بل كان الأمر وخزاً..ولم يكن يضرب الجواري إلا تأديباً وتذكيراً وزجراً..فمن رآها متقنعة أي تداري الوجه..ضربها لخلع القناع وإبراز الوجه فقط ويقول لها لا تتشبهي بالحرائر..ومن رآها تداري رأسها يخلع عن رأسها ويقول لا تشبهي بالحرائر..هذا ما تدل عليه الآثار..فالعلة عند "عمر" هي التأديب علي التشبه بالحرائر وليس علي ستر الزينة..لذا فإنهن كن يواجهنه بأقنعتهن وحجابهن ولا يهربن منه..ومن الواضح أنه لم يكن يلبث "عمر" أن يختفي من الطريق حتي يعودوا سيرتهم الأولي مرتدين القناع والخمار..فالأمر لم يكن فرضاً عليهم ولكنه إجتهاد لم يعزم "عمر"علي أحد بفعله..بل كان ينصح به فقط..وإلا لكان "عمر" أمر بهذا في الناس علي المنابر..أو بعث في الناس منادياً بهذا الفعل لو كان فعلاً من أوامر الله التي لابد لها من النفاذ ولو كره الناس..هذا هو المعهود من فعل عمر إبن الخطاب..
وكان إجتهاده-وهو ما أخذه بعض العلماء من بعده وليس كلهم-أنه ما أن تزول مظنة الفتنة أو رجاء النكاح من المرأة حتى يرخص لها في وضع الثياب غير متبرجة بزينة مع أفضلية الحجاب تعففاً وتطهيراً لقلبها..كالقواعد من النساء "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن"..فكان ينزل الجواري منزلة القواعد من النساء..لأنه رأي أنه لا فتنة تخشي منهن..لذلك كان إذا حضر عنده بعض الصحابة وأراد أن يخدمه الخدم فإنهن كانوا يخرجون علي أصحابه لخدمتهم بنفس ما كانوا يرتدينه في المنزل من ثياب المهنة..فكان منهن من تكن مكشوفة الشعر بأمر من "عمر" ليري أصحابه تنفيذاً عملياً لإجتهاده..ولو كان الأمر كذلك في بيوت باقي الصحابة لما نقلوه عن خدم عمر..فالأمر خاص به وحده..ولم يفعله قبله ولا معه ولا بعده أحد..فليس فيه حجة علي الإطلاق..أما كلمة "شعورهن مكشوفة تضرب ثديهن" فتفسيرها هو أن شعورهن كانت طويلة متدلية علي الصدر تصل للثدي..أو أن الضفائر هي التي كانت مكشوفة من تحت الخمار لا يحرصن على إخفائها فتصل إلي الثدي..أما تفسيرها بأن الثدي كان مكشوفاً..فهذا تفسير منكري الحجاب من أصحاب الأهواء المتهتكين المفترين الكذب علي "عمر" رضي الله عنه ممن كتب علينا أن نحيا معهم في عصر واحد..وهو تفسير لا يقول به طفل صغير يعرف يمينه من شماله في اللغة فضلاً عن الشرع..فكما رأينا الأمر لم يكن يعدو إجتهاداً من "عمر" لم يحدث قبله ولم يمشي عليه أحد بعده..إلا بعض العلماء الذين إتخذوه سبباً في القول بتخفيف العورة للأمة..وهو كلام نظري لم يشاهد عملياً إلا في عصور التهتك والخذلان التي مرت بها الدولة..
كذلك كان فعل "إبن عمر" مع رجال تركوا لمس الجواري عندما رأوه فلمسها وقلب فيها أمامهم ليعرفهم فتواه بأنه مباح..وهو أمر لم يفعله أحد قبله ولا بعده ولا عرف أو نقل عن أحد غيره..فليس فيه أيضاً حجة لأصحاب الأهواء منكري الحجاب و ستر عورات النساء..كما أن الروايات تفسر بعضها..فهو كان يضع يده بين ثدييها ضرباً..أو صكاً وليس مسحاً..أو لمساً لثديها والعياذ بالله..فمن يعرف إبن عمر وسيرته يعرف كيف يتصرف..ولكنها أيضاً من طرق التعامل مع العبيد والإماء..فهم أموال مملوكة ستدخل البيت وتختلط بالزوجة والأبناء..وكانوا لابد لهم عند الشراء من التأكد من سلامة هؤلاء الداخلين علي البيت والأبناء من الأسقام والأمراض الباطنة والظاهرة كالجلدية مثلاً..وعدم محاولة معرفة سلامة العبد والأمة من الأسقام هو كشرائنا اليوم أي بضاعة بغير التأكد من سلامتها وأنها غير مغشوشة أو فاسدة..
وفي النهاية أريد أن أوضح أمراً عجيباً من عجائب الزمان..فإن المنكرين للحجاب يقولون بأن هذه الآيات في القرآن لا تدل علي التخمر وتغطية الرأس..ثم إذا أرادوا الهجوم علي الحجاب بالآثار تجدهم يقولوا أن الخمار وتغطية الرأس إنما فرضت علي الحرائر..وليس الجواري..وكان فرضاً لازماً لوقت معين..وزال بزوال هذا الزمان..فلم نعد نعرف هل يرونه موجوداً في النصوص أم لا..وهل يجدونه فرضاً أم لا..وهذا هو حالنا دائماً معهم..وهو حال المجادلين علي كل حال..فهم دائماً ما يسقطون في التناقض والإزدواجية..نسأل الله العافية من الفتن..وأن يقبضنا إليه علي الطاعة..وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين





الجمعة، 1 مايو 2015

الحجاب..فصل الخطاب في زمان الفتن 2

هذه المرة نتناول بعض النقاط التي تختلط على المنكرين للحجاب فتشتبه عليهم وتسبب إرتباكاً في الأفكار ولبساً في بعض المفاهيم..فيرفضون الحجاب جملةً وتفصيلاً متمسكين بفكرة خاطئة وشبهة واهمة..وبالجملة..فإن كل ما يبدو من الشبهات هي من الأخبار والأثار والإستنتاج العقلي..وليس من القرآن..فاللفظ القرآني واضح جلي لا لبس فيه..وكل ما عدا ذلك إختلاف في التفاسير أو تمسك بأثر يصح حيناً ويضعف حيناً ويلتبس على القارئ في كثير من الأحيان..
ونذكرها هنا بالإجمال ثم نشرع في التفصيل فالشبهات هي
..1-إن الله لا يتدخل في ملبس الناس والأمر دنيوي ليس له علاقة بالدين..2-أن كثير من العاهرات محجبات..فالحجاب ليس دليل عفة أو علامة علي الإيمان..3-بني الإسلام على خمس..فلا تجعلوها ستة بالحجاب..4-أن كثير من النساء الغير محجبات هن أكثر حشمة من كثير من المحجبات وهو عند الله أفضل..5-أن الحجاب رمزاً طائفياً للتفريق بين المسلمة وغير المسلمة..6- أنه رمزاً سياسياً للتفريق بين الحرة والأمة..7-أثار واردة عن عمر ابن الخطاب وعبد الله إبن عمر..8-قول الأئمة في جواز كشف الأمة شعرها..9-بعض الشبهات حول ألفاظ القرآن..10-الحجاب موروث وعادة جاهلية..
هذه إن لم تكن كل الشبهات إلا أنها أكثرها رواجاً على الألسنة وأعظمها شأناً وإلتباساً على العقول..ونبدأ فنقول..
أولاً فموضوع أن الله لا يتدخل في الملبس هذا كلام غير صحيح..لأن الله سبحانه ليس كالبشر..ولا يصح ان ننظر له ونتعامل مع ذاته تعاملنا مع بعضنا البعض..فتدخله سبحانه في أي شيء بالأمر والنهي يكون تعبدياً..فطاعته في الملبس تعبدية وفي المأكل تعبدية وفي المشرب تعبدية فسبحانه يبيح الطعام كله.. "كلوا وإشربوا ولا تسرفوا"ولكنه ينهى عن السرف..ويحل الملبس كله "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"..ويبيح الزينة والطعام ولكنه ينهى عن الخبيث منها أو ما أفضى منها إلى خبيث..كما يحرم الذهب والحرير للرجال..ويحرم إبداء الزينة على النساء..فالله لا يأمر بالفحشاء ولا يبيحها لعباده..وقد خُلق الإنسان ظلوماً جهولاً..قال الله "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا"..فلو تُرك الإنسان لعقله ونفسه لظلم وجهل وطغى وبغى وأفسد وتفحش..فالنص الذي ينزله الله على النبي هو الذي يضع إطاراً للعقل ليعقل الظلم والجهالة..فالعقل معناه الكبح والربط..وعقل الرجل ناقته أي ربطها..فأعطى الله نصوصاً للعقل مع الإباحة حتى لا يضل إذا تُرك الحبل على الغارب..والأمر من الله في الملبس وردت به نصوص عديدة في القرآن تثبت أن الله يتدخل في الملبس وليس الحجاب إبتداعاً..فقال الله لموسى "إخلع نعليك إنك بالواد المقدس"..وآيات إخفاء الزينة في القرآن كثيرة تناولناها في المقال السابق..فليس هناك موضع لقول قائل أن الله لا يتدخل في الملابس هذا ليس من العلم في شيء..
أما قول القائل أن العاهرات في زماننا هذا يرتدين الحجاب وربما النقاب..فليس في هذا إشكال..فإن الله قد أمر النساء بهذا الضرب من إخفاء الزينة وزاد عليه عدم الخضوع بالقول..فليس دخول العاهرات في زمرة المحجبات عيباً في الحجاب والمحجبات..بل هو إعتراف من العاهرات بما له من فضيلة يختبئون تحت مظلتها..وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه..فإن صلّت العاهرة..فليس عيباً في الصلاة والمصلين..والأصح أن نسعى لفصل الإختلاط الفاحش الذي يعطي الفرصة للعاهرة لممارسة عهرها..لا أن نأمر العفيفة بخلع حجابها..ثم هب أننا جعلنا الكل محجبات فيهن العاهرات وغير العاهرات..وكانت النتيجة أن إختفت العاهرات في وسط المحتشمات..فما هو الفارق لو نجعلهم الكل غير محجبات..فيهن العاهرات وغير العاهرات..نفس النتيجة..ستختفي العاهرات في وسط المجموع..فليس الرداء هو الفارق ولكن التي تلتزم بالحجاب وستر الزينة وعدم الخضوع بالقول وعدم إعطاء الفرصة لمرضى القلب بالتعدي..هو المعيار..فالله لم يفرض اللباس ليأمر به العفيفات من النساء فقط و يتوجب على العاهرة أن تظل متبرجة..بل أمر به ليحول بين النساء والأجانب ليطهر قلوبهم..فالحجاب ليس شرطاً أن يكون علامة العفة بل هو طريقة لمن أرادت أن تتعفف وتبعد عنها الفساق والمجترئين على محارم الله..
قال أحد الناس مرة في برنامج إن الإسلام قد بني على خمس ليس منهم الحجاب فلا تجعلوها ستة..وهذا خلط لا مثيل له على الإطلاق..فلو أخذنا بنص الحديث وألفاظه فقط بدون التعمق والبحث في المعاني لثبت للمتحدث خطؤه..فالإسلام بني على خمس وليس ستة..ولكن الخمس ليست هي الإسلام بل هي الأعمدة التي قام عليها..أما الإسلام دين له أوامر ونواهي وتشريعات..فالقرآن ليس في الحديث السابق ومع هذا لا يقول عاقل أن القرآن ليس هو مخ الإسلام ومداره ومبناه ومنتهاه يدور معه الإسلام حيث دار..وجاحد القرآن يكفر ويخرج من الإسلام ولو أقام الخمس المذكورة في الحديث السابق..فالإسلام مبناه على الخمس ولكن مفرداته وتشريعاته وأوامره ونواهيه  هي من لوازم الخمس..وإلا لوتحجبت إمرأة تعبد الأصنام لم يجعلها ذلك من أهل الجنة..لأنها لا تطيع رباً..فليس عندها إسلام أصلاً..ولو لم تتحجب من أتت الخمس المبني عليهم الإسلام فإن ذلك يجعلها عاصية..كمن يزني ويسرق ويقتل..كذلك من تبرز الزينة..كلها معاصي لا تخرج من الملة ولا يكفر فاعلها إلا إذا إستحلها..فالحجاب لم ينبني عليه الإسلام ولكنه من أوامر الإسلام الثابتة في القرآن وعدم إلتزامها مجازفة وإجتراء لا يعلم عقابه إلا الله..
يقول قائل الغير محجبات أكثر حشمة من كثير من المحجبات..وهو عند الله أفضل..وأنا أقول لا تقولوا على الله ما لا تعلمون..فالنبي قد قال كل أمتي معافي إلا المجاهرون..ونحن نقول أن الزانية المختفية الغير مجاهرة بالذنب أفضل من الزانية المجاهرة..بل هي أقرب إلى عفو الله..أما الغير محجبة والمحجبة الغير محتشمة كلاهما في الذنب سواء ليس منهم واحد أفضل من الأخر فكلاهما مجاهر بالذنب..فالتي تستر زينتها وتخضع بالقول للرجال قد أفقدت حجابها معناه ومحتواه..والغير محجبة رغم أنها إحتشمت إلا أنها أثمت لإبراز الزينة..فهما عند الله مذنبتان..ليس لواحدة فضل على الأخري..
أما موضوع التفرقة بين المسلمة وغير المسلمة فهو أمر مخالف للحق تماماً..فنساء اليهود والنصارى مأمورون بالحجاب وإخفاء شعورهن مثل المسلمين بل بشكل أكثر حدة و صرامة من الإسلام..حتى أمر الإنجيل من لا تتحجب بحلق شعرها (زيرو) فليس معنى أن النصارى واليهود خالفوا الكتاب ولم يلتزموا به..أن يعاقب المسلمون ويؤمروا بترك شعائرهم ويقال لهم تريدون التفرقة والطائفية..فليؤمر اليهود والنصارى بالإلتزام بدل من أن تؤمر المسلمة بعدم الإلتزام حتى لا يشعرون بالتفرقة والطائفية..وهذه بعض النصوص في التوراة و الإنجيل التي تأمر بالحجاب وتحض عليه..وتدل علي شيوعه في أهل الكتاب..
في الإصحاح 24 من سفر التكوين " رفعت عينيها فرأت إسحاق..فنزلت عن الجمل..وقالت للعبد من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي..فقال العبد هو سيدي..فأخذت البرقع وتغطت"
وفي الإصحاح الثالث من سفر أشعيا "إن الله سيعاقب بنات صهيون علي تبرجهن برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر  والأهلة والحلق والأساور والبراقع والعصائب"
ويقول بولس في رسالته إلي أهل كورنثوس "إن النقاب شرف للمرأة"
ويقول "وأما كل إمرأة تصلي أو تتنبأ..ورأسها غير مغطي..فتشين رأسها..لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه..إذ المرأة إن كانت لا تتغطي فلتقص شعرها..وإن كان قبيحاً بالمرأة أن تقص أو تحلق فلتتغط"
هذه بعض الأدلة لأنها أكثر من أن نحصرها جميعاً فمن شاء فليراجع الكتاب المقدس
وهذا ينقلنا للنقطة التالية وهي القول بأنه موروث شعبي وحضاري وجاهلي نقل بالإعتياد فهو عادة وليس شرع والدليل أنه موجود في الأمم السابقة وكان متواجداً في الجاهلية ولكنه مصحوب بالتبرج"تبرج الجاهلية الأولي"..فهذه النظرة شديدة السطحية..لأن المعروف أن الأديان السماوية جميعها تخرج من مشكاة واحدة فإذا وجدنا تشابهاً بين شيء في اليهودية والمسيحية والإسلام..فليس هذا معناه كما فسره المنكرون أنه نقل ووراثة وعادة إنتقلت بين الشعوب بمعزل عن الدين..أو مجاملة من دين إلي أهل الدين السابق تأليفاً لهم..أو كما قالوا عن الحجاب أنه عادة يهودية وفعلها أهل المدينة نقلاً عن اليهود..بل الحق أن الله قد أمر اليهود بالحجاب كما رأينا في نصوص التوراة..ثم جاءت المسيحية وشرعهم هو نفس شرع اليهود فاستمروا به وكانت السيدة مريم ذات حجاب تخفي شعرها وكذلك الراهبات في الأديرة وكذلك يفترض أن تكون نساء النصارى..إلا أنهن غير ملتزمات..وكذلك وُجد في الجاهلية كما وجدت شعائر الحج والطواف وغيرها مما بقي من ملة إبراهيم عليه السلام مع أشياء من التحريف..وعندما جاء الإسلام كان الحجاب كمعظم التعاليم تم تحريفه والخروج به من نطاقه ومعناه وصار مثل ما نراه من "إسبانش" المرأة تسدل الخمار من الخلف فيبدو العنق والنحر.."والنحر ببساطة هو المنطقة المستوية تحت العنق وفوق الثدي..والتي نطلق عليها "الجيد" وهي موضع تدلي العقد أو القلادة من العنق"..فجاء الإسلام بإصلاح ما فسد..فليس في الأمر موروث..بل هو شرع الله أمر به كل من آمن به من أتباع إبراهيم عليه السلام و اليهود والنصارى والمسلمين..وأنزله في شرائعه..فهو أمر متواتر في الشرائع وهذا دليل قوي على أنه هو شرع الله ومراده في خلقه..
ومن أبرز الشبهات التي تجري على ألسنة عامة المنكرين..أنهم ينكرون حديث إبداء الوجه والكفين ويضعفونه..ويظنون أنهم قد أزالوا المعضلة في حين أن نظرتهم منقلبة تماماً..لأنهم ينظرون إلي أن الأصل في المرأة هو أن تكون عارية بارزة ظاهرة وأن الحديث المذكور هو الذي قيدها بالتستر ما خلا الوجه والكفين..وهذا إلتباس مشهور..لأن الأصل في المرأة هو التستر بالكامل..وهذه هي دلالة ظاهر الأيات في القرآن..فالقرآن يأمر المرأة  بالتستر وإخفاء الزينة من شعر الرأس إلي القدم..والحديث المذكور هو الإستثناء..فهو الذي قيد إطلاق الإحتجاب..بجواز ظهور الوجه والكفين..وإلا فلو وضعت زينة على الوجه فالصحيح هو إخفاء الوجه إخفاءاً لتلك الزينة..ومن هنا كان تضعيفهم للحديث يعني بالضرورة عدم جواز إبداء الوجه..وليس جواز إظهار الشعر كما أرادوا..ومن العجائب أني رأيت شيخاً في الأزهرإدعي الحصول على الدكتوراة بإثباته أن الحجاب ليس فرضاً..وعندما إطلعت على رسالته وجدته يهذي بالشبهات ويخبط خبط عشواء..ويمشي في طريق معاكس تماماً للدليل القائم على النص بل أرهق نفسه في محاولة فاشلة لتفنيد أدلة القائلين بالوجوب..ولم يثبت أصلاً عدم الوجوب أو ما يثبت جواز إظهار الشعر..هذا فضلاً عن أنه تكلم عن الحجاب بمفهوم غطاء الرأس فقط..وهو تفكير ضحل يدل على جفاء تام بين الرجل وبين النصوص..ثم علمت بعد ذلك أنه محتال كبير ليس أزهرياً ولم يحصل علي دكتوراة ولا خلافه..وأنكره الأزهر وأنكر معرفته به..وإنكشف الغطاء عن ذلك اللغو الإعلامي الذي أثير بعد نشر أكاذيب هذا الضال المضلل الكذاب..
هناك شبهة أيضاً تدور على أن المقصود بضرب الخمر على الجيوب مقصود بها العنق فقط..وهذا كلام متخبط مختلط..فالمرأة مأمورة بضرب الخمار على العنق والنحر..وهو آخر شيء كان ظاهراً من المرأة في ذلك العصر..فالنساء كانت مستترات من أول الشعر..بدليل إرتدائها للخمار..إلي قدمها بدليل عدم ظهور الخلخال ولا حتى صوته..ولكن يظل النحر والعنق ظاهران..كما قلنا من قبل هو المعروف في عصرنا بال "إسبانش"..فأمرهم أن يشدو من خمرهن "غطاء الرأس" ليغطوا به العنق والنحر..وهي الصورة التي نعرفها اليوم من الحجاب الذي ترتديه النساء..قطعه قماش واحدة هي في الأساس لتغطية الرأس ثم يتم إسدالها من الأمام فتغطي رقبة الفتاة ونحرها..فالأمر بتغطية الجيوب بالخمار ليس أمراً بخلع الخمار من الرأس ووضعه على الجيوب..بل هو أمر بإستخدام جزء من نفس الغطاء لتغطية منطقة الجيوب..فخمار المرأة إذا أطلق ونسب للمرأة فهو في اللغة ليس له معنى إلا غطاء الرأس..فتغطية الجيوب به لا تعني أبداً نزعه من علي الرأس..بل تعني جعله غطاء واحد للرأس والجيوب..
أخيراً من عجائب الأقوال وغرائب الإدعاءات أن يقال أن الحجاب من أسباب إنتشار ظاهرة التحرش والتي إنتشرت في بلاد الإسلام أكثر من الغرب العلماني المتبرج..وهذه الشبهة مصدرها الخلط و الفتن التي نعيشها في الزمان الأخير حيث أن معظم الفتيات اليوم والنساء اليوم تقصر الحجاب على غطاء الرأس..ولا تكاد تستر من زينتها شيئاً..بل تتسابق الفتيات في إبراز الزينة بكل طريق وأي طريق..سواء بالملبس الضيق الذي يصف حجم عظامها و يرسم حدود جسدها..مع وضع المكياج علي إختلاف درجاته وربما تخرج المحجبة خصلة من شعرها لتزيد زينة وجهها..مع التعطر والتبختر والخضوع بالقول والعين..ولست أقول أن هذا سبب التحرش فالتحرش له أسباب أخري..ولكني أقول أن هذا أصلاً ليس حجاباً..لندعي أن التحرش زاد في مجتمعنا المليء بالحجاب..إن الحجاب في زماننا وبلادنا قليل قليل..فالحجاب في حقيقته هو فقه لغاية الملبس قبل وصف الملبس..وفقه للتعامل قبل تقييد التعامل..وطهارة لقلوب النساء والرجال قبل كونه حائل بين النساء والرجال..وهو ما نفتقده في زماننا وبلادنا..أما التحرش فإنه له أسباب أخري..جعلته ينتشر في بلاد الغرب رغم الحرية الجنسية هناك بنفس كثرة إنتشاره في بلادنا وليس أقل كما يدعي المنكرون..فاليابان قررت فصل النساء عن الرجال في المواصلات والمدارس..وفي النرويج رأينا إمرأة صنعت لنفسها حاجزاً حديدياً أحاطت نفسها به لتمنع عنها التحرش..وفي أمريكا أعلي نسبة للتحرش والإغتصاب تحت تهديد السلاح..وفي بلادنا يتم التحرش في المواصلات وأماكن التجمع والزحام والإختلاط..مما يدل علي عامل مشترك بيننا وبينهم وهو طبعاً لايمكن أن يكون الحجاب..فالحجاب لم يسبب كبتاً للشباب..ولم يثر غريزة الشاب الأعزب..ولم يحرك شهوة الفتي الغير شهواني ليدفعه حتي يخرج عن حدود الأدب والشرع والأخلاق..هذا الكلام لا يستقيم في عقل سليم..ولكن العوامل المشتركة في العالم هو الإنتشار الفاحش للمثيرات والفحش في الإعلام وعلي الأرض..في السينما والتلفزيون والإختلاط المتخطي للحدود..فتجد التحرش من الرجل المتزوج كما تجده من الأعزب..وتجده من الشاب الماجن الذي يحيا حرية العلاقات النسائية الكاملة..فالأمر ليس كبتاً جنسياً..ولكنه رغبة مفرطة ومتعدية ومتخطية للحدود الأخلاقية والدينية مهما كانت درجة الإشباع..لأن العلة مرض في القلب وليست صرخة من الجسد..مع إنحسار حقيقي وكبير للإلتزام الديني ومخافة مقام الله..ونهي النفس عن الهوي..
طال بنا الكلام في الشبهات..ونختم سلسة الحجاب في المقال القادم نتكلم فيه عن أثار عمر أبن الخطاب وإبن عمر..وبعض الأحاديث وأسباب النزول ..نسأل الله السداد.




السبت، 25 أبريل 2015

الحجاب..فصل الخطاب في زمان الفتن 1

يقول رسول الله "إذا لعن آخر هذه الأمة أولها..فمن كان عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد"..لقد صدق الرسول وتغير الزمان ولعن أخر الأمة من جاءوا في بدايتها..فتوجب إظهار العلم خاصة في هذا الزمان الذي لم يعد كثير من الناس يهتم بالعلم..بل لم يعد لأحد رغبة في السماع من شيخ أو عالم..لإنتشار الفتن وإختلاف الناس في المذاهب والأهواء..قديماً في عصر التنزيل كان الناس يستمعون للنصوص بكل جوارحهم لما للنبي عندهم من مكانة ولما عندهم من فهم صاف للنصوص ببساطة ومعرفة للغة فلم يكن النبي يحتاج إلى شرح النص..بل كان يقرؤه النبي على الناس ولا يكاد يتجاوز التلاوة حتى يبدأ الناس في التنفيذ..فلم نسمع أن النبي جادل أو شرح وأفاض في إقناع الناس..ربما فقط يفسر كلمة أو يصلح معناها عند الناس بما ييسر الأمر أكثر عليهم..وكانوا متقبلين للأحكام على ما هي عليه في كل حال..ما أمر الله به ورسوله كان أمراً محسوماً..و"ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم"..ولم يكن عندهم فرض و واجب و مندوب ومستحب..بل كل ما أمر به الرسول فهو واجب النفاذ..وقد علموا أن النبي جاء برفع الإصر عن الأمة فما أمر به رفع به إصراً ووضع به حداً وفتح به باباً للجنة وأغلق به أبواباً للجحيم..ولكن تطاول الزمان وإنتشرت الفتن وأكثر الناس من الجدل وعلم الكلام..وقل العلماء الذين يتدينون بما يعلمون..
في هذه السطور نتناول بعض الحقائق المعروفة والغائبة عن الحجاب وبعض أكبر الشبهات حول الحجاب ونسأل الله أن يكون كلاماً فصلاً في المسألة..
بدايةً يجب أن نعرف أن الحجاب الذي نزل في القرآن لا علاقة له بما نتجادل حوله اليوم..فكلمة الحجاب ذكرت في القرآن بمعني الساتر أو الحاجب..كقول الله "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب"..أما الذي نتجادل حوله في هذا الزمان..فإنما نزل في القرآن تحت إسم "ستر الزينة" أو "الخمار"..فالحجاب في حقيقته هو ستر الزينة بالكلية والتي منها "الشعر"..فغطاء الرأس هو فقط جزء من كل..وهو شيء من الزينة يجب ستره مع باقي الزينة..ولكن تم إختذال هذا المسمي "الحجاب" من معناه بمعنى الساتر..و معنى "ستر الزينة" إلى تعريف ضئيل وهو غطاء الرأس..ثم بدأ المجادلون الذين إختذلوه في الإلحاح علي أن تغطية الرأس لم ترد نصاً وأن تغطية الشعر موروث وعادة..وكثير من هذا الخلط والإلتباس..ومن ثم يجب خلع غطاء الرأس..أو على الأقل لا نطالب به بناتنا ونساءنا..وهنا نعطي مزيداً من التفصيل بالقرآن- فقط -وليس إستناداً إلى السنة لأن منكري الحجاب هم من منكري السنة أو على أقل تقدير ممن لا يقدروها حق قدرها..فرأيت أن إلزام الحجة وتبيين المحجة يكون بالقرآن فقط حتى تقوم الحجة والبيان على من أنكر ولا يجد عذراً واهماً أمام نفسه من ضعف حديث أو ظنية ثبوت..ليحيا من حي عن بينة..
الأيات في القرآن  1- "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" سورة النور 31
2- "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" النور 60
3- "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا" الأحزاب  32
4- " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا " الأحزاب  53
5- يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" الأحزاب  59
هذه الآيات الكريمة السابقة هي الآيات التي نزلت صراحة تتكلم عن ستر الزينة والإحتجاب في القرآن..ولعل الإلحاح المتكرر في القرآن على ستر الزينة وإحتجاب النساء عن الرجال كان يكفي ولكن نحتاج اليوم أن نشرح هذه الآيات البينات الواضحات لمن ليس عندهم قوة في اللغة العربية
بدأ الله سورة النور..بقوله "سورة أنزلناها وفرضناها " وهذا الكلام يعني أن كل ما يأتي في السورة هو فرض عين على الأمة لا يحل لأحد أن يتخلى عن الإلتزام به..فكان الأحرى بمن أنكر ستر الزينة..أن يتأنى قبل الإندفاع بغير دليل..ففي الآية 30 قال الله للنبي "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" ثم في الآية 31 قال له "قل للمؤمنات " فسياق الآيات واضح والخطاب فيه شديد الجلاء..موجهٌ لعموم الناس الذين يصفون أنفسهم بالمؤمنين والمؤمنات..فليس في الآية تخصيص لزوجات النبي ولا تخصيص للرجال بالصحابة..فأمر الله المؤمنات أن لا يبدين زينتهن..ولأن الآية فرض فإستثنى الله "ما ظهر" وسياق الآية يفهم منه "ما ظهر" أنه ما ظهر منها عن غير عمد وهي بارزة للناس فتبادر إلى ستره..وإلا فلا يوجد ضابط ل "ما ظهر"..وحينها فبإمكان أي إمرأة أن تخرج عارية وتستر سوأتها وتقول أن ما بقي منها هو"ما ظهر"..هذا كلام باطل..وسيأتي الدليل عليه بعد حين..فجسد المرأة في نفسه جعله الله زينة..فكل ما بدا من المرأة في عيون الرجال مبتغى وله من يبحث عنه..على إختلاف أهواء الرجال وإختلاف النساء..حتى وصل الأمر لصوت المرأة..فأمر الله نساء النبي اللاتي يفترض بهن أن لا يطمع فيهن ذوو المرض أن لا يخضعن بالقول..فكانت أمهات المؤمنين يُغلّظن أصواتهن مع الرجال..وهن من هن في الأمة..وهن أمهات للمؤمنين..فكيف الحال بمن كانت واحدة من سواد نساء العالمين..ألا يُطمع فيها إن لانت بالقول لمن كان في قلبه مرض؟؟
الخلاف السائد هنا هو في إعتبار الشعر عند المرأة ليس بزينة..فقائل هذا القول من الرجال يقع في مغالطة كبيرة..أو هو لا يعرف ما هي الزينة من الأساس..فشعر المرأة من أكثر ما تملكه النساء زينة لها ولوجهها وعلامة على أنوثتها..والفرق واضح لمن كان عنده علم بالناس من الرجال ولمن كانت عندها إنصاف من النساء بين إمرأة شعثاء الشعر شعرها مهمل منتشر مثلاً..وبين من لها شعر ناعم ومنتظم وممشط..وبين من تساقط شعرها لعارض أو مرض..وبين من تقص شعرها إلى حد التشبه بالرجال..بل من النساء الغير محجبات من إذا ضاق بها الوقت عن تصفيف شعرها سترته بالحجاب حتى حين..ولعل أصدق ما تناوله الناس هو تسمية مصفف الشعر "مزين"..فالقائل بأن شعر المرأة ليس زينة لها..ولا يضيف للمرأة جمالاً..هو بلا ذوق..أو هولا يعرف النساء ولا يعرف الفرق بين تعامل النساء والرجال مع الشعر ولا نظرة المرأة إلي شعرها وإفتخارها أو خجلها منه..بل لم يرى حتى طفلة تصفف شعرها..وإن كانت إمرأة فهي تخالف فطرتها و تعرف في قرارة نفسها أن شعرها زينة لها..فليحذروا..لأن الأوامر في سورة النور للفرض وليست للإستحباب..
الحاصل هنا أن "ما ظهر" هو ما يظهر من المرأة بلا تعمد كأن يسقط من شعرها شيء من تحت الخمار "الطرحة" أو يبدو شيء مما ترتديه من الزينة الداخلية لتكشُّف عارض من الهواء أو إنحسار الثوب فجأة لأي سبب..فليس عليها جناح والله يغفر ذلك..
ثم يقول الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" ولا أعرف أحداً يختلف في أن نحتكم إلي المعجم إذا إختلفنا في معنى كلمة من الكلمات..فلو ذهبنا إلى المعجم لوجدنا كلمة "خمرهن" جمع لكلمة خمار..الذي هو في كل معاجم اللغة.."هو كل ما يستر..ومنه الخمر لأنها تستر العقل ومنه خمار المرأة وهو غطاء رأسها..والعمامة من الخُمُر لأنها تستر رأس الرجل"..إنتهى من المعجم.
 وقد ورد عن النبي أنه كان في الوضوء يمسح علي الخمار أي العمامة لأنها غطاء الرأس..وقد كان تبرج الجاهلية هو أن ترخي النساء الخمر من فوق الرأس إلي الخلف وتترك الجيوب-الصدر والعنق-غير مستورة..أي يشبه إلي حد كبير ما نعرفه اليوم في هذا الزمان بال "إسبانش"..فأمر الله النساء بضرب الخُمُر-غطاء الرأس- علي الجيوب لا من الخلف..ومع الأمر بتغطية الجيوب لا ينتفي أن يظل الخمار غطاءاً للرأس ولم يستبدل بأن يكون غطاءاً للجيوب..أي أن الساتر الذي يغطي زينة الرأس هو غطاء للرأس والصدر والعنق –وهو ما يطلق عليه اليوم مجازاً "حجاب"..وحقيقة إسمه شرعاً "خمار"..وبشكل مبسط (الخمار هو غطاء الرأس..فإذا ذكر على أي حال فهو غطاء الرأس فقط..فمثلا الإزار أو السروال أو الملحفة أو القناع تغطي الجسم أو أجزاء منه لكن لا يقال عليها خمار..فلما يقول إضربي بالخمار على الجيوب..معناه أن شدي من غطاء رأسك وغطي به عنقك وصدرك(النحر)..وهذا ليس معناه "شيليه من على راسك وحطيه على العنق"..بل المعنى إنه خمارك غطاء رأسك لا تسدليه من الخلف زي الجاهلية الأولى..لكن غطاء رأسك إسدليه للأمام لتغطية العنق والصدر..)
ثم مرة ثانية ينهى الله عن إبداء الزينة إلا إلي أفراد كالزوج والمحارم..فهذا إلحاح من الله في سورة مفروضة على وجوب ستر الزينة..فما الذي يفهمه المنكرون من إلحاح كهذا..فليتفكر أولوا الألباب..
ثم يأتي النهي مرة أخرى عن الضرب بالأرجل حتى لا يُعلم ما خفي من الزينة..ومعلوم بضرورة العقل أن الزينة التي تُعلم بالضرب بالقدم..إنما تكون زينة القدم وهو "الخلخال" لأن الضرب بالقدم ليس من شأنه إلا إصدار صوت الخلخال وهذا دليل واضح على عدم جواز ظهور قدم المرأة أصلاً بكاملها إلى الموضع الذي يوضع فيه الخلخال فضلاً عن ظهور صوت الخلخال..كما أنه دليل أوضح على عدم جواز إظهار خصلة الشعر التي تسدلها بعض المحجبات لا سيما إن كان الشعر مصبوغاً..فهو زينة مخفية لا يحل أن تبدو ولا يعلم الناس شكلها فضلاً عن لونها..فالمرأة من عند غطاء رأسها إلي عنقها وصدرها "الجيوب" نزولاً إلى موضع الخلخال منها مأمورة بالستر..فالمرأة مأمورة بأن لا تبدي بل وتجتهد في إخفاء كل ما هو زينة..حتى بما يستثنى من الحجاب كالوجه والكفين مقيد بما إذا لم يكن عليهم زينة لعموم قول الله "ولا يبدين زينتهن"..الآية واضحة  بشكل مذهل ما كنا نحتاج فيها إلى مزيد تفصيل..
ومع هذا فإن الله يأتي مرة أخرى في سورة الأحزاب الأية 59..فيقول "قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين" وأنا أسأل بصدق..ما الذي تعنيه تحديداً كلمة "نساء المؤمنين" هل كان يقصد بهم أزواجه اللاتي ذُكرن قبلها..أم يقصد بها المؤمنات زوجات المؤمنين..الأمر واضح لا لبس فيه أن كل من تصف نفسها بالإيمان أو تظن أنها من أمة القرآن فهي مخاطبة بنفسها وشخصها في هذه الآية أمراً من الله وخطاباً من الرسول..بأن "يدنين عليهن من جلابيبهن"..والجلباب أيضا في المعجم "هو الملحفة أو القناع وهو ثوب يستر الجسد كله بلا استثناء ويوصف بأنه قميص واسع له أكمام وغطاء للرأس وهو للرجال والنساء" إنتهى من المعجم.
وهو قريب مما نراه اليوم في أثواب أهل المغرب..ليس مطابقاً وإنما قريب إلي حد كبير..
ومن هنا يتضح أن الله إستخدم كل الألفاظ التي تتكلم عن أغطية الرأس..هكذا نزلت الآيات وهكذا فهمها الأقدمون والمحدثون..وأطاعوا رسول الله فور أن نزلت الآية..بلا جدال..وعرفوا أنه الحق..ليس تشدداً ولا رمزاً طائفياً..بل كان أمراً إلاهياً ونبوياً..فلا يُتصور أن النبي يُلزم نساءه ونساء المؤمين بما لا يلزم..أو بأمر فيه تشدد..أو بأمر لا يكون فرضاً واجباً..وهو الذي جاء برفع الأصار والأغلال..عزيز عليه ما عنتّم..حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم..
ولم ينظر الصحابة والصحابيات لستر الزينة "الحجاب" على أنه تقييد أو محل جدال لموضع العورة أو وصف الثوب أو جدال عن الشعر هل هو زينة أم لا..بل عرفوا أن الغرض من الحجاب هو رفع الفتنة ومنعها ولا يحصل ذلك بالثوب الضيق أو الشفاف أو القصير..ومدار الحجاب ليس هو العورة..فالعورة لا يجوز كشفها حتى للمحارم من الرجال..أما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال..فإنما أُمرن بالحجاب لأنه أذكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات..
ومن آية "ولا يخضعن بالقول" وعموم الأدلة على عدم التعطر وغيره..يظهر لنا أن الله حرم على المرأة كل ما يدعو للفتنة..ولهذا كانت الشروط التي وضعت للحجاب كلباس للمرأة مستمدة من نصوص الكتاب والسنة كما نص عليها الدليل..هي سبعة شروط..وهي: أن يستر جميع البدن إلا ما إستُثني..أن لا يكون زينة في نفسه لأنه في الأساس ستر للزينة..أن لا يشف ويصف ما تحته وإلا فقد معناه وغرضه..أن يكون فضفاضاً غير ضيق..أن لا يكون معطراً لنهي النبي المرأة عن التعطر خارج بيتها..أن لا يشبه لباس الرجل(للعن المتشبهين من الجنسين بالأخر)..أن لا يشبه لباس الكافرات لعموم الأمر بمخالفة المشركين والكفار(وهذا امر فيه سعة)..أن لا يكون لباس شهرة وهو أمر مقيد بالنية.



إستكمال هذا المقال في مقال أخر حتى لا يطول أكثر من اللازم..للكلام على شبهات: فصل عورة الحرة والأمة..وآثار عمر ابن الخطاب..و ورود الحجاب في الديانات السابقة وشبهة العادة..وغيرها من شبهات العصر الحديث..نسأل الله السداد

الاثنين، 13 أبريل 2015

إبن تيمية والقزم الأحمق

ليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتُبيّن له المحجّة..ومن ثبت إسلامه بيقين..لم يزُل عنه بالشك..ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة..والتكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعيّن..وتكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن..إلا إذا وجدت الشروط وإنتفت الموانع..وهي أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة "الوعيد"..فمسألة الوعيد في القرآن مطلقة كقول الله "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا"..ولكن الشخص المعيّن آكل مال اليتيم أمام الله قد يزول عنه الوعيد بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات أو بمصائب تكفر ذنوبه أو بشفاعة مقبولة..ومن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم البعض..ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخَطّئون الخاطيء ولا يُكفّرون..وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفراً..وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العدل والرحمة فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة ويعدلون لمن خرج منها ولو ظلمهم..ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم ولا يقصدون الشر لهم إبتداءاً..وليس كل من خالف في شيء من الإعتقاد يجب أن يكون هالكاً..فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً..فله أجر والله يغفر له خطأه..وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم عليه به الحجة..وأما التكفير فالصواب أن من إجتهد من أمة محمد وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه..ومن تبين له ما جاء به الرسول وقامت عليه حجته فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى وإتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر..ومن إتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب..ثم قد يكون فاسقاً..وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته..فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل يكون كافراً بل ولا فاسقاً بل ولا عاصياً..(إنتهى كلام إبن تيمية)
قد يعجب الكثير من الناس عندما يعلم أن الكلام السابق هو كلام إبن تيمية كما ورد في كثير من كتبه وبخاصة "الفتاوى"..ذلك الشيخ الجليل العالم الفقيه الزاهد المجتهد المجدد المجاهد بالسيف واللسان والقلم..لأن الكلام الذي يدور في هذا الزمان السوء على ألسنة الرعاع  والأقزام من أمثلة "البحيري" يشير إلى شيخ الإسلام إبن تيمية بأصابع الإتهام بأنه مبتدع التكفير والأب الروحي للجماعات التكفيرية والخوارج ومن حذا حذوهم ونهج نهجهم..ما هم إلا صبيان يلعبون بجانب الشيطان الأكبر-ابن تيمية- الذي قاد مسيرتهم وإستندوا إليه وإلى فتاواه في كل عمل شيطاني وتكفيري أهدر دماء المسلمين وغير المسلمين..والحق أن أقوالهم تدل يقيناً أنهم لم يقرأوا كتاباً لإبن تيمية..وإنما قرأوا عن إبن تيمية..أي ما كتبه أمثالهم عن إبن تيمية..وما نقلوه-كذباً-على لسانه..ولو كان قصارى جهدهم القراءة فقط لأدركوا أن إبن تيمية أبعد ما يكون عن التكفير و الإندفاع في الأحكام وإهدار الدماء..وأظن أني لن أبالغ لو قلت أن 95% من المتهمين لإبن تيمية بأنه مرجع الجماعات التكفيرية..لا يعلمون شيئاً عن فتواه التي تستند لها الجماعات التكفيرية..ولا يسعهم إلا أن يغوصوا في بطون الكتب ليستخرجوا أقوالاً يتصيدون ألفاظها ليلعبوا على وتر الإرهاب وكيف أنه هو الذي مهد الطريق للتشدد والتعصب بغير النظر حتى لما يعرفه كل عليم بالفتوى..أن نصف الفتوى إنما تقع على عاتق السائل..فهناك من يسأل سؤالاً ليعرف الحق وكفى..وهناك من يسأل المفتي ليخرج منه جواباً بعينه..فإن لم يجبه به لف ودار وكر وفر ولفق موقفاً ضيقاً في السؤال حتى يُحفه بالمسألة فيجيبه بما يريد..إنهم لم يقرأوا لإبن تيمية نفسه..ولم يعرفوا فكره وفقهه رحمه الله وجزاه عن المسلمين بعده خير جزاء..وخلاصة القول أن مستند أهل التكفير للتكفير إنما يسندونه لإبن تيمية من فتواه في أهل "ماردين"..ووالله لو قرأوا فتواه في أهل ماردين لعرفوا أن إبن تيمية بريء من الدماء التي رموه بها طيلة نصف قرن.. وقبل ذكرالنص يجب أن نتأمل في السؤال كيف أن السائل قد يكون مستفزاً وملحاً وكأنه يريد أن يسقط المفتي في فخ ليقول شيئاً بعينه يريدالسائل أن يسمعه..
ونص الفتوى هو:"سئل إبن تيمية عن بلد ماردين هل هي دار حرب أم دار سلم..وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا..وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أوماله  فهل يأثم..وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه أم لا؟؟
وكان رد إبن تيمية.."الحمد لله..دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها..وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة..سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم..والمقيم بها إن كان عاجزاً عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه..وإلا إستُحبت ولم تجب..ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم..ويجب عليهم الإمتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة..فإذا لم يمكن إلا بالهجرة..تعينت..ولا يحل سبهم عموماً ورميهم بالنفاق..بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة..فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم..وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة..فيها المعنيان..ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين..ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار..بل هي قسم ثالث يعامل فيها المسلم بما يستحقه..و(يعامل) الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه"
هذه هي الفتوى التي صنعت الإرهاب..كذا وردت الفتوى في كتاب "الأداب الشرعية"..وفي كتاب "الدرر السنية"..وكذا هي في المخطوطة الأصلية والوحيدة للفتاوى..وكما نرى ليس في الفتوى ما يهدر الدماء..لا دماء أهل ماردين المسلمين..ولا دماء حكامهم التتار..ولهذا لم يكن للفتوى أي مردود أصلاً في عصر إبن تيمية الذي كان من أشد أعداء التتار وكان يجاهدهم بالسيف واللسان..وأنكر أن ماردين التي يحكمها التتار دار حرب لأن أهلها مسلمون..وظلت الفتوى على حالها و ظل إبن تيمية شيخاً للإسلام..حتى 90 عاماً مضت حيث ورد خطأ مطبعي نتج عنه تصحيف كلمة في طبعة الفتاوى التي طبعها "فرج الله الكردي"..فطبع كلمة "يعامل" الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه "يقاتل"..وتبعه من بعده في طباعة الفتاوى من نسخته بغير تحقيق المخطوطة ولا إعتبار ورود الفتوي بلفظ "يعامل" في الدرر السنية أو الأداب الشرعية لأن "الفتاوى" لم يحقق قبل الطباعة..فاتخذها " التكفيريون في الستينيات أساساً لقتال ولي الأمر بل لقتال المخالفين لشريعة الإسلام..بل يكاد كتاب"الفريضة الغائبة "أن يكون هامشاً شارحاً للفتوى الماردينية..رغم أن إبن تيمية حرم دماء أهل ماردين..وكانوا مسلمين وكانوا محتلين من التتار وكان التتار يحكمون بكتاب جنكيزخان ويتخذوه دستوراً هو والعرف..دون أي شريعة برغم إظهار بعضهم الإسلام..وبرغم أن إبن تيمية كما قلنا لم يذكر في فتواه قتالاً إلا أن الفتوى في النهاية بهذا اللفظ الذي ورد تصحيفاً-يقاتل- تسترعي التفكير..فهي بلفظ "يقاتل" تناقض أولها الذي ذكر حرمة الدماء..وأمر أهلها بالتصنع والمداهنة للحاكم المتغلب لكي لا يضيق عليهم عيشهم أو يذيقهم من صنوف العذاب لما في التتار من جور وظلم..كما أن اللفظ نفسه "يقاتل بما يستحق" تركيب لغوي خاطئ لا يقع من إبن تيمية..فالقتال لا يوصف ب "بما يستحق"..فليس هناك مقاتلة للعدو بما يستحق ومقاتلة" نص نص"..فكان على الأغبياء الذين إتخذوا الفتوى ذريعة لجهاد المسلمين وقتلهم أن يفكروا دقيقة قبل الإقدام..أو حتى يسقطوا القتال على مقاتلة المحتل "التتار"..وكان على الأقزام الذين إدعوا على إبن تيمية إهدار الدماء أن يراجعوا الفتوى الماردينية أو كما يطلق عليها "فتوى التتار" قبل أن يندفعوا ويرموا إبن تيمية بكل سوء وظلم وبهتان..وقد إنعقد مؤتمر في ماردين نفسها عام 2010 لتحقيق المخطوطة الأصلية للفتاوى..فكانت النتيجة أن اللفظ ورد فيها "يعامل" وليس "يقاتل" كما ورد في مخطوطات "الأداب الشرعية" و"الدرر السنية"..وظهرت براءة إبن تيمية بعد ستين عاماً من الظلم والبهتان..
إن بإمكاننا الجزم أن شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله لما كان عليه من علم وعمل وجهاد وحمله مسؤلية مواجهة البدع والفرق الضالة في كل مكان..مع ما كان عليه من قوة حجة وبيان..ورجاحة عقل وفصاحة لسان..وإكتساحه ساحات المناظرة مع رؤوس الفرق الضالة الذين ملأوا ذلك الزمان..فكان له من الأعداء من معاصريه الكثير من حاسد وحاقد مهزوم من أهل الأهواء..ومطرود من الرياسة والزعامة بعد نعمة ورخاء..ما جعلهم كادوا له المكائد و أوغروا عليه صدور الملوك..وأشاعوا عنه السوء..وذكروه بكل مكروه..ولكن سبحان المعز المذل..فلا يُذكر اليوم من ذلك الزمان إلا إبن تيمية وعلمه وفقهه..ولازال يشغل العقول والأذهان..بينما يقبع مخالفوه في غياهب النسيان..فلا يكاد يعرف منهم اليوم إسمٌ واحد..ولو ذُكر إنما يذكر بشكل لاحق بفضل عدائه لإبن تيمية..ولكن لا يذكرون بعلم ولا بفضل..وحسبنا من كل ذلك أن إبن تيمية كان إماماً عالماً مجدداً حافظاً لم ينافق ولم يداهن ولم تزل قدمه في دماء حرام..وحسبنا أن نرد عنه كيد الظالمين له بغير علم ولا بينة ولا برهان..وحسبنا أن إبن تيمية سيبقى ذكره وعلمه  ما بقي في المسلمين علم وعمل..وسينتهي ظالموه غير مأسوف عليهم لا ذكر لهم ولا بقاء..وعند الله يجتمع الخصوم.  

  

السبت، 11 أبريل 2015

حد الردة و القزم الأحمق

من سخرية هذا الزمان أننا نضطر للرد على أحد الأقزام الذي يتطاول على أصحاب القامات العالية حيث لم يرد عليه أحدٌ حتى الآن رداً يشفي العليل أو يروي الغليل..وكأن عدم الرد عليه قد أصابه بنوبة من تورم الذات والإنتفاخ المفاجيء..فشعر أنه مفكر الزمان وهادم الصروح وفاتح الفتوح..وإغتر بسكوت الساكتين عليه فظن أنهم تصاغروا إلى جانب فكره السقيم وأنه أسكتهم بنصوع حجته وأفحمهم ببيان برهانه..بينما هو كالبعوضه لا يلتفت لها..مهما علا صوتها فهو واه..أما الآن فقد آن الأوان لهذه المهزلة أن تنتهي ولهذا القزم الوقح أن يلزم حده ويعرف قدره..ويسحق بحذاء الحق رأسه..ولا يعامل إلا كالفطر العفن يزال ويرمى مع الكناسة على قارعة الطريق..
الحق أني لا أدري من أين أبدأ بالرد على هذا الخرف فقد كثر لغوه حول حد الردة ما بين آيات القرآن والأحاديث والحوادث التاريخية..ولكني سأحاول أن أتناول ما قاله ودلسه..وما خفي عليه بسبب جهله وإندفاعه وقلة عقله وخفة فهمه وتغفيله وسوء نيته فتورط فيما لم يفقه وصعب عليه الرجوع عن طريق الطيش والضلال..وإزداد في المشي جهداً..فإزداد عن الحق بعداً..
نبدأ من حديث إبن عباس"أن علياً حرّق أقواماً لعبادتهم الأصنام فأنكر إبن عباس وقال لو كنت أنا ما حرقتهم لقول النبي لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقول النبي من بدل دينه فأقتلوه"..والذي أطال فيه الهذيان فأنكر عدالة الراوي عكرمة..وقد نسي نفسه وإستخرج من بطون الكتب شوارد الأقوال الشاذة الموضوعة المبعثرة التي تسب الرجل وتجرحه..وإتبع طريق أخبار الرجال الذي يرفضه ويرده على علماء الحديث..فغاص في ما يسميه التراث ليخرج بأخبار الجرح لعكرمة..وترك من نفس التراث مئات أضعاف الأقوال الصحيحة من أهل العلم والفهم لتعديل عكرمة..فلم نعد نفهم هل هو يرفض التراث أم يقبله أم يأخذ منه ما وافق هواه ويرد منه ما يضعف موقفه..الحاصل هنا أن عكرمة من الأثبات العدول..وهو من رجال البخاري ومسلم حتى لو كان مسلم لم يأخذ عنه غير حديث..فليست العبرة بعدد الأحاديث..وأخبار ثبوت عدالته أكثر من الحصر..
ثانياً..أنكر الحديث لأنه قال أن الحدّ لم يعرفه غير إبن عباس فقط..فكيف لم يعرف الحد غير صحابي واحد مات عنه الرسول وهو صبي..ونسي هذا القزم الأحمق أن الحديث يتكلم عن تحريق عليّ بن أبي طالب للمرتدين..ترى هل كان عليّ يحرقهم حيناً ثم سيخرجهم ويعالج حروقهم..هل كان الإمام عليّ يلهو بتحريقهم؟؟أم أنه كان يقتلهم حرقاً..إن إبن عباس لم يخبر عليّ بحد الردة..فقط هو أنكر على عليّ طريقة القتل..فلا يحل له أن يقتل حرقاً لأنه عذاب الله..ولكنه لازال يحق له أن يقتلهم لقول النبي..الذي كان عليّ في الأساس ينفذه..فقتل المرتد حداً..ثابت عند عليّ لم ينكره عليه كل من حوله مما يدل على ثبوته عندهم..ومنهم إبن عباس..فليس الأمر بقتل المرتد مداره إبن عباس..وليس هو من نبه "عليّ" للحد..كما ثبت حد الردة عند غيرهم من الصحابة وفي غير رواية فهو متواتر الذكر والعمل به..ولعل أشهر حديث فيه "لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة" والحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود..
ومن حديث معاذ عندما بعث لليمن..قال له "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها"..ومن حديث جابر..أن إمرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت..
وما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل عند بعثهما لليمن..قال "اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال أنزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهودياً فأسلم ثم تهود قال إجلس قال لا أجلس حتى يقتل..قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل"
فهذا حد الردة الذي يقول فيه الجاهل الجهول أنه لم يعرفه غير عكرمة عن ابن عباس..والحديث رواه عن ابن عباس غير عكرمة فقد ورد من طريق أنس فلم يتفرد به عكرمة دون تلاميذ ابن عباس..
مرة أخرى تطرق القزم إسلام البحيري..إلى حديث أخر صحيح وغاص في بطون الكتب ليخرج أشياءاً واهية محاولاً بها جعل الحديث مشكل مع أحاديث الردة وأن العلماء ضاق بهم المخرج من الحديث فخالفوا المنطق وإلتفوا حول الحق لكي لا يفتضح أمرهم..ونسي في غمار هذه الترهات التي شغل بها نفسه أن يفكر دقائق قبل أن يتكلم..فهذا نص الحديث في البخاري"أن أعرابياً أتي النبي فبايعه على الإسلام فأصابه وعك فأتي النبي فقال له يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى رسول الله فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبي الرسول..فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى فخرج فقال رسول الله المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها"..ف إدعى أن الرجل طلب إقالته من الإسلام وخرج دون حد الردة ولم يطلبه الرسول أو يطبقه عليه..
وعلينا أن نسأل ذلك القزم..ما هو المفترض أن يفعله رجل خرج من الإسلام وكفر..هل يذهب ليستأذن النبي الذي كفر به ليخرج من المدينة؟؟..هل البيعة كانت حبلاً يربطه في سارية ليقول له أقلني بيعتي..أي رد عني الإسلام؟؟هل يفترض فيمن يكفر بالنبي..أن يذهب له ويناديه "يا رسول الله" أم يقول له "يا محمد"؟؟ثم ما هي الفائدة التي تعود على الكافر من الإستئذان في الخروج؟؟المدينة المنورة ليست ذات أبواب ليفتحها له الرسول ليخرج..ثم ما هي التبعات التي تلحق بالكافر إذا خرج ولم يستأذن؟..أم أن الصواب أن يفترض به أن يخرج من المدينة بغير إستئذان..؟؟
إن لفظ متن الحديث واضح كالشمس في أن الرجل ليس مرتداً عن الإسلام ولم يقصد الإسلام بطلبه إقالة البيعة..وإلا فقد خرج الرجل من غير إذن في النهاية..فكان أولى به ك "كافر" بالملة أن يفعلها من البداية بغير إستئذان أو إثارة شبهة الكفر حول نفسه..والرسول لم يراجعه في عرض الإسلام عليه أو معالجة ما دعاه للكفر..مما يدل على أنه أصلاً لم يكفر ولم يرتد..فما هي البيعة التي أبي رسول الله أن يقيله إياها..إنها بالطبع إقامته في المدينة وإتضح هذا من فعله في النهاية أنه خرج رغم رفض الرسول..لأن الهجرة كانت فرضاً قبل الفتح..وكانت علي الأعراب من يسلم منهم أن يهاجر إلى المدينة حتى رفع الحكم بعد فتح مكة وقال النبي "لا هجرة بعد الفتح"..وكان الرجل أصابه وعك وحمى في المدينة فكرهها..وأبى عليه الرسول أن تضيع عليه هجرته..فآثر الخروج على الهجرة..فهو تعيس شقيّ..فقال الرسول المدينة تنفي خبثها..أي ما خبث من النفوس..وليس في الخبث دليل على الكفر..فإنما يوصف الكفار والمشركون بالنجس وليس بالخبث..ولكن يخفى هذا على مثل البحيري ممن أضلهم الله وختم على سمعهم وقلوبهم وجعل علي أبصارهم غشاوة..
ثم نأتي لما تحدث عنه من أنه لا توجد حجة عقلية لقتل المرتد..وهو كدأب أمثاله جميعاً يهرب من النصوص إلي الحجج العقلية..تشابهت قلوبهم..ومع هذا فإن الحجة العقلية السليمة تلح على ضرورة قتل المرتد بالمعنى المخصوص المحدد في الفقه للمرتد..فالمرتد واحد من إثنان..إما رجل يرتد عن الإسلام ويبقى مختفياً بكفره لا يجهر به..وهذا يكون غير معروف بين الناس ولا إشكال معه ومادام يظهر الإسلام بالشهادة فهو معصوم الدم والمال وحسابه على الله..أو شخص يخرج على الناس فيعلنها صريحة..ويلقي سموم فكره في الناس ويدعوهم لما نفره من الإسلام..ويلقي عليهم الشبهات التي فتنته..ودائماً لا يخلو الأمر من التعدي على شخص النبي وعلى القرآن تلميحاً أو تصريحاً..وهذا بكل مقاييس العقل والحكمة والفطنة هو "كافر حربي" والكافر الحربي واحد من إثنان..إما كافر يرحل من ديار الإسلام إلى ديار الحرب..وهذا لن يلاحقه المسلمون ولن يطلبوه..أو محارب مقيم على أرض الإسلام معلناً العداء لهذا الكيان..فنحن لا نحتاج إلى نص مخصوص لقتله..إما يرحل أو القتل..ولا أعلم ولا أظن البحيري يعلم دولة على الأرض تكون في حالة حرب مع دولة أخرى وتسمح لأفراد من العدو خاصة الناشطين في العداء..أن يقيموا على أرضها..إما تطردهم أو يقتلوا..فهو حكم عقلي في القوانين الوضعية وهو موافق للعقل والفطرة والوحي والشرع..ولا يختلف عليه إلا من على شاكلة البحيري..
وهنا أنقل كلاماً كتبته في مقال سابق إسمه "حد الردة في مواجهة الزحف الوثني" ولعلي أختم به حتي لا يطول المقال أكثر من ذلك وللكلام بقية إن شاء الله أفصل فيها باقي شبهات الدعيّ الجاهل القزم الوقح البحيري


(من مقال حد الردة ..مواجهة الزحف الوثني)
 
 
"ثالثاً :هل يقبل الإسلام بوجود المحاربين في دياره..؟؟
الإجابة لا..لايقبل الإسلام بوجودهم لأنهم أصل الفتنة والخيانة..كذلك كل أمم الأرض لا يقبلون بوجود المحاربين..فليس من أمة تعادي أمة وتترك أفراداً منها يحيون في أراضيها ويختلطون بسكانها أماناً من التجسس وأماناً من إشاعة الذعر والفوضى حال الحرب..كل هذا يقف فيه الإسلام وكل أمم الأرض على قدم المساواة..بل في جل أهل الأرض إذا ثبتت الخيانة في حال الحرب على واحد من أهل الدار فإنه يقتل..وهو من نفس القوم والأهل والملة والدين..
رابعاً :هل يقبل الإسلام وجود أفراده على أرض المشركين المحاربين؟؟
الإجابة لا..ويأمر الإسلام أهله بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام..أما إذا كان موطنه أرض مشركة ولكنها دار سلام مع المسلمين فلا مانع ما أمن الفتنة في دينه.
خامساً: هل يرسل المسلمون الجنود وراء كل من خرج من الإسلام ولحق بديار المشركين ليحيا فيها ليقتلوه..
الإجابة لا..لم يفعل هذا المسلمون ولا رسول الله ولا أصحابه..فعبيد الله بن جحش هاجر مسلماً إلى الحبشة فتنصر ومات هناك ولم يرسل في طلبه رسول الله وغيره ممن فعل هذا لم يرسل رسول الله في طلبهم..
سادساً :هل يقبل الإسلام بوجود المنافقين أو المتخفين بحقيقة دينهم المخالف للإسلام على أرضه؟؟
الإجابة أن هؤلاء من الطبيعي أن يكونوا مختفين غير ظاهرين..فهم متخفون بإعتقادهم حتى لو كان كفراً وإلحاداً أو تنصرأ أو تهوداً..ولا يظهر منهم عداءٌ للإسلام..وهم بهذا معصومون بعصمة المسلمين في المجتمع..أما من تبدو من فمه البغضاء للإسلام والمسلمين..فهو محارب ليس من المنافقين وليس من المسلمين وليس من المسالمين..فهذا إن رجعنا إلى أي عقل منصف أو دولة منصفة فهو لا يقبله على أرضه..فإما أن يهاجر إلى ديار غير مسلمة يفعل فيها ما يشاء..وإلا فعليه ما على الخائن والمحارب..والقول بأن المرتد عن دين الإسلام بين المسلمين ليس معادياً ولا محارباً..هو قول غير صحيح..فليس هناك من مرتد..يرتد عن دينه ولا يشع ردة على من حوله..ولا يلبث هؤلاء حتى يبدأوا في بث السموم في المجتمع من أفكارهم ومحاولاتهم الدائمة لإنتقاد التعاليم بما إستقر في أنفسهم ودفعهم للردة..فهم معادون بكل الصور للإسلام..والقول بأنهم غير معادين للإسلام يعني بالضرورة إخفائهم لإعتقادهم..فهم كالمنافقين..يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر..وهؤلاء وجودهم لا يمثل شراً على الإسلام..من هنا تكون إجابة السؤال السادس هي نعم يقبل الإسلام وجودهم على أرضه ولا يقبل ظهورهم على السطح ومجاهرتهم بالكفر..وحسابهم على الله..فقد قال النبي.."أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله..فمن قالها فقد عصم دمه وماله وحسابه على الله"..
فنحن نقبل أن نسمع منهم الكلمة يظهرونها يعصمون بها دماءهم..على ألا يبدو منهم بعدها كلمة الكفر..وحسابهم على ما أسروا في أنفسهم على الله..أما إن بدأوا في نفث العداء السافر فشأننا كمسلمين كشأن سائر أمم الأرض..قتل المحاربين..وحد الردة بعد دخول الإسلام ليس إكراهاً على الدين..بل هو حفظ المجتمع بقوة القانون..فمن شاء أن يكفر..فإما يستخفي بكفره داخل المجتمع خشية القانون..أو يخرج إلى مجتمع أخر لن يلحق به أحد هناك ما لم يكن معاهداً للمسلمين..فالعهد يمنعه من الخوض في الإسلام أيضاً..وله من ديار المحاربة متسع يأوي إليه ما إستطاع..أما أن يكون الأمر كما يدعو إليه العلمانيون..أن يرتد عن الدين كل مرتد ونتركه يحيا بحرية بين المسلمين فهذا القول من العقل بمكان سحيق..فإنه ما جاهر بكفره بالإسلام إلا ليتكلم فيه ويخوض في تعاليمه ناشراً سموم الفكر بين الناس..ومن حق الأمة المسلمة وولي الأمر المسلم أن يحفظ الأرض والرعية من مثله..فإنه لو لم يرد أن يتكلم وينتقد لأخفى معتقده..فهو محارب ثابت القدم على أرض المسلمين..وليس من العقل ولا من الحكمة قبوله بين صفوف المسلمين..فلمن يكون ولاء مثله حال الحرب؟؟..أيكون للمسلمين أصحاب الأرض..أم لمحاربيهم الملحدين؟؟..للقارئ أن يجيب على هذا السؤال..والباب الذي فتحه الذين من قبلنا على أنفسهم فزحفت منه الوثنية هو هذا الباب..إختلفوا على نبيهم وكتابهم فتفرقوا وبدلوا وغيروا..ولم يكن المرتد عندهم محكوم عليه بالهجرة من الديار أو القتل..بل تركوهم يحيوا بينهم مجاهرون بنقد دينهم ودحض حججهم..فخرج من الدين مفتوناً من خرج..وشك من شك..ومن بقي فإنه بدل تعاليم دينه بما يوافق أهل الشرك كي يسلم من إنتقادهم ويريح نفسه..وإستساغ المهمة من بقي على الدين في أن يبدل الأحكام كلما ألجأته الظروف والضغوط..أو ربما ألجأته السلطة والمال..فتبدلت الديانات وأصبحت الوثنية هي المسيطرة على جل ديانات الأرض..
أتى الإسلام فحكم حكماً واحداً..حد الردة..فأغلق ذلك الباب..وعلينا أن نتخيل رجلاً مرتداً ذا بيان ولسان..خرج من الإسلام وبقي في ديار الإسلام..ينتقد ويلغو ويهزأ بالتعاليم..وينشر فيمن حوله ما أخرجه من دينه..ولو خرج نفس الرجل إلى ديار غير المسلمين..ومن لهم مع الإسلام عداء..فتكلم بنفس كلامه..أيهما أقل ضرراً على المجتمع المسلم..فإن شئت فقل أن حد الردة هو حكم على المرتد بالنفي والخروج والهجرة..وإلا فالقتل..أو العودة إلى الإسلام ولو بالكلمة فقط لعصمة الدم والمال..مع الأمان من فتنته في المجتمع وحساب سريرته على الله..فإن عدتم عدنا..